............................................................

 

زهرةٌ سوداء


  وبعدُ..

ماذا سيقالُ في الروح أبلغُ مما قاله سكران:(الروح خنثى)، لكنّي تهيأَ لي، في جلسة خمر، أن الخطأ الحيَّ الذي يخالط وجودي له نحوُ ارتباطٍ بالنسيان، نسيانِ ذلك المغزى الشاق، المعنى المبدّد في دعابة فيثاغورس: (العـالمُ عـددٌ ونـغمٌ). وتذكرتُ أن في قوّة المصطلح تأجيلاً أبدياً للمعنى، بمقدار ما في كلمة الفجر من ليلٍ ونهار، فصرت أطلبُ الروحَ بنقيضها، والجسدَ بلطائفه المخبوءةِ فيه، وقلتُ: فلينمْ من لم يرَ زجاجَ الزجـاجةِ، أما أنا فقدْ رأيتُ الروحَ - القنديلَ الذي من رآه لم ينمْ. وقلتُ: يا ربّ ليكنْ لي أربابٌ على قدرِ خطاياي، وأصدقاءٌ يترامزون بالكنايةِ، بالاستعارات الشاقّة التي كنا نتلاسنُ بها في جلسةِ خمرٍ، نحن الأنبياءَ الكذبةَ الذين تكلّمنا عن الروح فأفسدنا قدّاسَ الأرضِ، سحقنا الكرمةَ الوحيدةَ التي تعبتْ قلوبُ الماءِ في ريِّها.

لكنْ الروحُ روحُ مَنْ؟

الشابُّ الهزيلُ الذي لطمَ وجهَ حبيبته بزهرةٍ سوداءَ، وحده يدركُ أن مأتمه لن ينقضي ما داما، هو وإياها، اثنينِ، روحينِ، ضربَتَيْ مجذافٍ في نهرينِ لا يلتقيان.

وهكذا فالزهرةُ السوداء التي سقطتْ في الوحلِ صارتْ علامةً على انهدام الروح.

روحُ مَنْ؟

أكرّر سؤالي وفي خاطري أسماءُ كلِّ أولئك الذين انتهوا إلى هذا الحطام الشفيف، الذين تكسرتْ مراياهم وهم يتتبّعونَ المسارَ اللعوبَ لهذه الأميبيا المقدّسةِ، وإلا كيف يُعقلُ أن شخصاً ما، في جلسةِ خمرٍ، تذكّر فجأة أنه هو وروحه شيئانِ متناقضان، وأنهما معاً فائضانِ عن حاجة العالم؟

لعلّه ارتبك ليلَتها، ضحكَ من الرعبِ أو أخفى قلقه بالتدخين،

 غير انه حين عاد إلى البيت، وقبل أن ينام، كتب في مفكرته:( الروح خنثى )، وعندما استيقظَ لم يعرفْ بالضبط ماذا أراد.