............................................................

 

الثانيةُ بعد الظهر وأنا سعيدٌ بهذا كلّه


الآن يمكنني أن أتذكرَ

ما دمتُ في المنعطفِ الأخير ،

ومادامتْ الساعةُ تشير الى الثانية بعد الظهر

يمكنني أن أؤكد بأن النساء المائةَ اللواتي

نسين مناديلهنَّ في الحديقة كنّ أنتِ

أنتِ فقطْ

معكوسةً في المرايا الكبيرةِ للألم.

 

وكمن يفاجئه الخرابُ وهو يحلمُ

كمن يقوده الموتُ إلى مستشفى مريضٍ

أدوّن التلاشي

أدوّن أيامي كلَّها على ورقِ الأمسِ

وأبقي ما يتبقى لي على الحقول المحروثة بأبواق العجلات السعيدةِ

وأنا سعيدٌ كذلك

من أجل نهارٍ واقفٍ على كتابةٍ لم تكنْ لأحدٍ

من أجل صبيّةٍ تنادي على بائع الصحف الأصمّ

خرساءَ

كأنها تنادي على فرصةٍ سوداءَ للضحك

سعيدٌ من أجل صبيّ يتبرعم في سره

مبتسماً ليمامةِ الإستمناء القرمزية

لأصابعه وهي تكتب في فراغ الأشجار

في يقظة الطرقات

إسماً لحبيبته المريضة

إسماً لخراب أيامه

سعيد كذلك للبكاء الطويل الذي ينتهي عادة باستواء الشمس في يوم الحصاد

سعيدٌ في نهار الطيور الكبيرة تعبر منطقةَ الهذيان

مثيرة زبداً ذهبياً

وساكبةً على غريق سكران موجةَ الفزع الأخيرة

وكمنْ يقول ورائي أفعى ثم يلتفتُ

فلا يجدُ سوى حجرٍ يذكّره بطفولته

أقطعُ الخيطَ الذي يفصلني عن الشجرةِ الوحيدة

عن تلاميذَ بكّائينَ يستنفرون الهواءَ بحقائبهم

ويشيرون بأصابعهم اللبنيّةِ الى جثّة البائع المتجول

هناك حيث برقٌ طائش يصيب العانسَ بالحمى

والأرملةَ بدوارِ البحر

هناك حيث صرخةٌ تنتظر من يقولها سريعاً ويختفي

في الطريق المؤدّي الى باب بيتكِ

تستوقفني رائحةُ العميان

ملتصقين على رقعة الفراغ الأخضر

الفراغ الذي لم يكنْ في يومٍ من الأيام طريقاً لعميان يتدافعونَ

وأيديهم تكتشفُ في الظلمة ممالكَ وانهياراتٍ وصيفاً قابلاً للمحوِ،

 

أيُّ صيفٍ هذا الذي يجعل الأمهاتِ منطفئاتٍ يعدّدنَ أبناءهنّ

واحداً

واحداً

أيُّ صيفٍ هذا الذي لا يجيءُ الا ملطخاً بالخريف ؟

 

وكمنْ يؤسّسُ في فراغ الوردة أسيجةً وينهدمُ

أدوّن على ورقٍ زائفٍ كلاماً عن المناخ الملائم لنموِّ الأسرى

كلاماً يحرّكُ العواصفَ الصغيرةَ فوق سرير العسكريّ الجميلِ

الذي يغطُّ في حَسَدٍ عميقٍ

وحقائقُه العشرونَ تحفرُ في خاطره منحدراتٍ وأوديةً

أدوّن ما ينبغي لسقوطي من السلّم الكهربائيّ

ما ينبغي لاستدراجي الى غرفةِ الدرسِ

سعيداً الا من إصبعي الصغيرة

مشرعةً باتجاه التعاسة

مشرعةً باتجاه الأبدية

وليكنْ ما يكونُ

فأنا مسافرٌ إلى ما لم يكنْ

الى كهف يتكلّم باسمي

باسم سائقي العجلات الذين يتبادلون الأمواجَ الصغيرةَ

مسرعينَ الى زوجاتهم النحيلاتِ

اللواتي نبتتْ على أثدائهنّ من فرط الألمِ حلماتٌ كثيرة

وفي النهايةِ

في آخر الشوطِ

يسقطُ الجميعُ هنا وهناك

غرقى

وفي أفواههم رغبةٌ بالكلام

ليكنْ ما يكونُ

فأنا الآن في المنعطف الأخير

والساعةُ مازالت تشيرُ الى الثانية بعد الظهر

مسافرٌ إلى ما لم يكنْ

مثل ديكٍ يفترضُ الفجرَ ويصيحُ،

مسافرٌ اليّ

تستوقفني إشارةٌ حمراءُ

صبيٌّ أعمى يحملُ عني الصيفَ ويختفي

في الطريق المؤدّي الى بابِ بيتكِ


بغداد 1984