............................................................

 

 تيـه  


وحدهم التائهون يدلّوننا

 أولئك الذين أضاعوا الدليلَ سيأخذونَ بأيدينا ويهدوننا إلى ما لا نطيق،

 وكم ودَدْنا، نحنُ الذين نعرف جيداً أين نحن، أنْ ندركَ أين هم،

 ودَدنا أن نكون معهم ومثلهم فلا نعودُ نعرف اسماً ولا رسماً لما نحن فيه،

في الليلِ لا يلتمع سراجٌ ينيرُ لهم طُرقَ المتاهةِ، والنجمُ في سمتِ السماء فخّهم المضيءُ، 

رغبنا دوماً أن نكونَ منهم فلا يطّلعَ علينا أحد، لكنْ هيهات، رغبتُنا ذاتُها حاضرةٌ ومقيمةٌ وبلا أدنى غيابٍ لأنها تعرف طريقها جيداً وتخلق حتى في عشقنا للتيه جمهرةَ مشاهدينَ مقيمينَ يطلّون علينا من هناك، من الحضور الأكيد، ليرونا ونحن نتخبّط تائهينَ في ما لا نعرفُ وبلا أملٍ ....

لا

 ليس هذا هو التيهُ

نحن أسرى أنانيةٍ حمقاء حين نطلب تيهاً مليئاً بالطمأنينةِ كهذا

لنعترفْ

لقد كبرنا، أدركتْنا شيخوخةٌ مبكّرةٌ فلم يعدْ بمقدورنا أن نتيهَ.

 

في الفردوس، كما في الربع الخالي، ثمّة كثيرٌ من التائهين،

واحدٌ منهم  فقطْ حطّمَ تيهه بيديهِ حينَ استدلَّ على شجرةِ المعرفةِ

وجاءَ بنا إلى هنا...

 

آدمُ، ابْقَ في تيهك الفردوسيِّ الكبير وأنجُ بنا،

ماذا صنعتَ يا أبي؟

أنظرْ الى فَقر أبنائك، إنهم يلفّقونَ متاهاتٍ صغيرةً ليضيعوا.

 

أتيه فلا أدري من التيه منْ أنا

سوى ما يقول الناسُ عني وعن جنسي

أتيه على جنِّ البلاد وإنسها

فإن لم أجدْ شخصاً أتيه على نفسي

 

 

ياللخذلان، صرنا نعرفُ الطرقَ كلَّها.

 

أمسِ راودني الكابوسُ ذاتُه:

 رأيتُ أني في وسط غابةٍ ممتدّة الى ما لا يُحدُّ، حاولتُ أن أتيهَ وما استطعتُ،

كنت أغيبُ في العمق، في اللجّة الكثيفةِ، لكنهم دائماً يستدلّون عليَّ بسهولةٍ أو أقعُ أنا عليهم دون تدبّرٍ مني.

أخيراً

ابتساماتُهم الكابوسيةُ الماكرةُ أقنعتْني اني فقدتُ تلك القدرةَ المدهشةَ التي تجعلني أتوارى وأغيبُ ويسمّونني تائهاً،

 تلك الغريزةَ الربانيّةَ ودّعتُها إلى الأبد.

 

استيقظتُ مغموماً وتذكرتُ كيف كنتُ في جنّةِ الطفولة أسرعَ التائهينَ،

كم ضعتُ بسببِ عباءتينِ أحداهما لأمّي، والأخرى لإمرأةٍ تسحبني للفردوس في سوقٍ مكتظةٍ بعباءاتٍ سودٍ،

على عتبةِ البيتِ كنتُ أتيهُ،

وأنا أتطلّع لشِقِّ جدارٍ كنتُ أغيبُ وينادونني فلا أسمع،

بين النخلة وسطَ البيتِ والسلّمِ كنتُ لا أعرف أين

لوحدي أو مع الآخرين، لا شيءَ كان بمقدورهِ أن يهديني

أمّا الآن

فالعالمُ كلُّه يشيرُ لي بيديهِ

إلا أنتم.

 

أين أياديكم الكريمةُ الغائبةُ لتأخذَني معكم أيها التائهون؟