............................................................

 

 

تأريخٌ أعمى


- 1 -

جنّة في منعطفٍ يهذي بالفتيات

شاحنةٌ عجولةٌ وضبابٌ عَجولٌ

هذه قشرةُ العالمِ.

 

-2 -

برائحةِ قرابين الشُكرِ في بيتِ العبيد،

بربيعِ ماكنةِ الخياطةِ في ضحكةِ كوثر،

بعبد الرحيم ودوّي قرآنهِ

وقولهِ: أتزوجُ أمْ أتركُ بلاغتي تشفيني؟

بذلك كلّه جعلتُ وحدانيتي وفقاً لوحدانيةٍ كسولةٍ،

جعلت ُسلالمي وفقاً لسلالمَ سامّة

وأمهاتٍ يتدحرجنَ من السلالمِ،

جعلتُ تأريخي وفقاً لقولك:

التأريخُ ليس هو النهرَ، بل ضربةُ المجذاف.

- 3 -

سيظلّ دور التأريخ ثانوياً ما دامت هذه القرابينُ الطريّةُ، هذا اللهاثُ الذي ينقل بيننا علمْاً سوّيا، ديانةً فلكيّةً، وما دامتْ بهجةُ المؤرخ بهجةُ الشجرِ المشرّد في مغيبٍ كلّه يتكلم، لكن بفمٍ أدردَ يصّفقُ في آخر العبارة، فإني أبشّر بسماءٍ مرّة، برنينٍ يثقل الوجوهَ التي تسقطُ مصفّدةً ونائحةً كأنْ جيشٌ هاربٌ يسوقها، كأنْ رماحهم الليّنةُ في كبدِ اليائسِ  بكاءُ صبيٍّ تائه بين الأحراش، أو وردةٌ مضبّبةٌ تشقّ طريقها في زينة المآتم.

فلا تأريخَ إذاً،

لأنه ما من واقعةٍ الا ودلَّ إندكاكُها على استحالةِ إبدالها بسواها،

خفقةُ الوعيِ كائنةٌ أبداً في ارتطام الأجساد، في اشتباك الأيدي قبل أن تنفتحَ المظلاتُ، في العفونةِ الوشيكةِ حين تبتعدُ الطائرةُ التي ألقتْ هذا الحشدَ من الجنائز.

خفقةُ الوعيِ كائنةٌ في كلّ ذلك، والأرضُ تنتظرُ.

وكيفَ لا تنتظرُ الأرضُ مَنْ به مثلُ هذا الكمِّ من الحجارة، هذا القدرُ من السبخِ الأصليِّ الذي يوشكُ ان ينطقَ، هذا الذي ما انْ نسترسلَ حتى يندسَّ بين صفوف السامعينَ محطّماً فيهم أعمدةً ومرايا وماحياً من أعماقهم نكهةَ الفجرِ وخمسين عاماً من الزينة الحقِّ.

 

- 4 -

حقاً، من العماء، من ظلّ الشجرة الوحيدةِ في بيتنا،من حزمةِ الفؤوس التي باشرتْ عملها في العدمِ الشاسع، انبثقَ نورٌ عظيمٌ أضاء قلب الشجرةِ حتى صار فيها (في الشجرة) ما يشبه قبضةَ اللهبِ وانبعثتْ منها روائحُ كأنها روائحُ قرابين الشُكرِ في بيتِ العبيدِ، فلو أنّ رائياً رآها من سطحِ الدار لقال: لقد احترقتْ الشجرةُ الوحيدة في البيتِ المنخفض الذي نشبّهه لفرطِ هزاله ببيتِ العنكبوت.

 

- 5 -

التأريخُ قماشٌ

وهذه الإبرُ التي ترفو قمصاننا الممزّقةَ هي ذاتُها التي تخيطُ الربيعَ بالمنفى، والغبارَ بمديحٍ منشغلٍ بمن يهجوه،

كأنما الألوفُ التي خرجتْ وتفرقتْ في الأقطار ظلامٌ يخفقُ في راية مثقوبةٍ، أو لمعانُ ماكنةِ الخياطةِ في ضحكةِ كوثر،

أو أنا وكوثرُ وأصنامنا في ثقبِ الإبرة خيّاطون

والتأريخ قماش.

 

- 6 -

لعلّك استحيتَ

لعلّك عثرتَ على ذهبٍ

فتكدستَ معه.

 

- 7 -

ما هكذا اللهُ

ما هكذا رعاياه ماتوا قبل أن ينجزوا حطامَ سؤالِهم

ففي كلِّ واقعةٍ خرساءَ خدّامٌ يرسلون المديحَ لخرابٍ أعزلَ،

وأنا الممتَدَحُ بلاهوتٍ وكمائنَ مكتوبةٍ ضدّ لا أحد.

سماءٌ مسموعةٌ أنا

وقلبي - من بين قلوبٍ كثيرة - وقعَ عليه الكلامُ إتفاقاً

وإلا فما هكذا اللهُ

ما هكذا عهدي بهندسةٍ تنعشُ الرئةَ السريّةَ التي تتنفّسُ مصيري.

يقيناً، واقعةٌ خلّبٌ جعلتْ غيابي غيابَ نبيٍّ

وحضوري جيشاً يتدحرجُ في المهوى الشاسعِ

دونَ دموع.

 

- 8 -

 

بشرٌ مثلنا في البيتِ ينعشون لسانَهم الخاصَّ، لسانّهم الشائعَ، لسانَ كوكبٍ مربوطٍ بمكابدات الحجر وصلصلةِ ملائكةٍ مجانينَ ينتحبونَ في دورقِ الزجاج