............................................................

 

 

قـربـان


 

من أرضِنا، أرضِ الفدّادين أتينا، من أصولِ أذنابِ الأبلِ حيث يطلعُ قرنا الشمس على ربيعة ومضر، قادمين إلى كربلاء ومعنا صلاةٌ وفيرةٌ وإلهٌ يتسمّع في محاريب قلوبنا كيف تجهشُ حيواناتُ الرملِ ودوابُّ اليقينِ، كيف روّضْنا له الحصى بجباهنا الكسيرة وأنبتنا زهرات خشخاش بدموعنا، وأطلنا له الركوع والسجود.

الى كربلاء وكلٌّ معتصمٌ إلى كهفه، وكلٌّ أشعلَ في خاطره قبضةَ لهبٍ أسودَ يكاد يحرق عليه الثياب.

من هناك أتينا. دشاديشنا القصارُ ترفرف يائسةً، هي راياتُنا تخفقُ مع كلّ ريح، ضدَّ كلّ ريح إلى أن تندلعَ ساعةُ الأرض، ساعة ينضج تحت طعنات قلوبنا كوكبٌ أبيضُ مقدودٌ من حطام القلوب.

وإلا فمن نحنُ يابارئ البرايا إنْ لم نكنْ خنجرك المعقوفَ تطعنُ به ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، مذراتَك تنغرسُ في أعناق العصاة، وحزامَك الناسفَ على خصر كلّ ملاكٍ فقيرٍ؟

 من نحن سوى كسرةِ خبزٍ تديفها سمّاً ثم تلقمُها لأطفالٍ خاطئين؟

نحن يا قدّوسُ غربانُ أمرِك ونهيِك في نهارِ المدن، وما من بيتٍ لا تصطكُّ قناديلُه باسمك إلا جعلناه وأهلَه أحاديثَ.

وها أنت ياربّ أخرجتَنا من أرضنا، من أصول أذناب الأبل، تركنا وراءنا عشائر تلوك خطاياها في المضارب، في خيام الحديد والأسمنت، تركنا نساءنا ذوات البراقع في مطابخهنّ أمام تماثيل حزنهنّ يأتين ويذهبن ناقصاتِ الإيمان، يضحكن ويبكين ناقصاتِ العقول، يقمن ويقعدن كاملات البراقع، كاسياتٍ ساهماتٍ، قاعداتٍ عن الصلاة أيام حيضهنّ، تركناهنّ حواملَ، بذرنا في أحشائهنّ أجنةً سيولدون وبين أكتافهم نقشُ العقربِ، ختمُك ياذا الجلال.

 

إلى كربلاء كنا سائرين ولما انفجر علينا فجرُ الدمِ صاح أصغرنا: لقد تهنا.

 اختلطتْ علينا الوهادُ وتحيّرنا في أمرنا، قال أوسطنا: نرجع.

 لكنّ صرخةَ شيخنا كادتْ تثقب وجهه: إنّ من وضعنا على طريق كربلاء سيأخذ بأيدينا اليها فلا تيأسوا.

فما أتم كلامه حتى قفز، كالمهرج، ملاكٌ أحمرُ وفي يدهِ حربةُ اللهب،

 قال: اتبعوني. 

تبعناه، بكينا خشوعاً ورهبة، وأمتلأتْ قلوبنا بالسكينة وشهوةِ الوصولِ وغدونا خفافاً كأنما نبتتْ في خطانا أجنحة.

 

وحين لاحتْ قبابُ الذهب، أدار الملاكُ الأحمرُ وجهه إلينا،

قال: قفوا.

وقفنا.

 ركز حربةَ اللهبِ في الأرضِ وتكلّم.

حين نطقَ صار وجهُه النارَ ونقيضَها.

رأسه منقلبُ الشمس، ويداه قرناها الطالعانِ على ربيعة ومضر.

 

 قال: لا تنظروا الى قباب الذهب وأنظروا إليّ .

ربكم الزارع وأنتم الحاصدون.

 لا المرأة ولا طفلها تبقون.

 لا الشيخ ولا العذراء.

 دونكم كلّ ابنِ ماءٍ.

 وهذه الأرض أخذت زخرفها وازينت وظنّ أهلها انهم قادرون،

اجعلوا في وسطها مناحة وفي أطرافها ذبحاً كثيراً،

رققوا بالرعب قلوباً طال عليها الأمدُ فقستْ.

 رأساً على رأسٍ ويداً على يدٍ املأوا شوارعها بالأيدي والرؤوس،

 ولا تنظروا الى قباب الذهب،

 قال

واختفى.

 

هجمنا

 كنّا سمَّ الهواء، كانتْ أرواحنا موشومةً بخاتم القيامة ولا تستطيع صبراً،

قلوبنا لاهثةً كيواقيت وتريد أن تنفطر،

خصورنا ياذا الجلال أكلها خنجرك المعقوف،

خصورنا أدماها حزامك الناسف، وأكتافُنا ارتجّتْ بملائك من كلّ لون،

كانتْ غربانٌ تمرق أمام وجوهنا وتهمس:

شهيقكم الفردوس،

زفيركم نعيم الأبد،

فتقدموا.

 

تقدمنا.

 صرنا في مستنقع النسناس، أياديهم تنشال وتنحطّ على صدورهم، وفي ثيابهم السود رائحةُ قلوبٍ تتفصّد ووجيبُ دمٍ يقول لنا هلمّوا نحن الترابُ أعيدونا الى التراب، وبينما نحن كذلك لاحتْ مني التفاته الى ضريح الفضة وقد شمّستْه عيونُ المنكسرين فإذا الملاك الأحمر يزعق في خاطري:

 الذهب والفضة لا تنظرْ إليهما وانتظر آيتي،

 قلت: ما آيتك؟

قال: أن يخرج من عنقك طائرٌ يقول: مَن ربّك و من أنت؟

 

يدي فوق خاصرتي.

 معهم ضدّهم أتدافع وإياهم حتى كأني منهم.

 أرفع يدي إذ يرفعون أيديهم، واذْ يخبطونها على صدورهم التي دبغتها الشموس فصارت كالطبول، أخفض يدي الى خاصرتي حيثُ حزامك الناسف، خنجرك المعقوف تطعن به ذات اليمين وذات الشمال.

يهتفون سحراً وعبوديةً وأهمسُ باسمك يا مهيمنُ،

 يطوفون على فضّتهم ويطوف فؤادي الكسير عليك.

عليك أطوفُ الى أن تقوم أسماؤك الحسنى مفجوعة القلب لاستقبالي.

أطوفُ الى أن تنكسر بيني وبينهم كأسُ الدم، فأولد من جديدٍ بريئاً وليس بيني والقيامة إلا حطامٌ شفيف.

فأين أنت؟

أين آيةُ محقك؟ أين جحيمُ صعقك؟ أين حبائل مكرك؟ أين وبالُ أمرك؟

أين ينبوعُ الخوفِ أسقي منه هوامّك العطشى إليك؟

اعطني سيفك المتقلّبَ في أحشاء الخطاة، وقيّضْ لي، أناعبدك، أن أرفع لك هذه الأضاحي،

 وتقبّلْ مني هذا القربان.

 

يدي فوق خاصرتي

انقطعتْ عني ألسنةُ أشباه الناس وسقط على الأرض دخانُ رعبٍ فلم أعد أرى أو أسمع حتى أخذتني رعدةٌ أمام ذهبٍ يستغيث وفضّة تلهثُ،

استفقتُ أمام ثيران طليقة تطوف على ضريح الفضة والذهب، وهناك رأيتُك،

رأيتُ آيتك،

 هناك خرج من عنقي طائرٌ أسودُ وزعق في وجهي: من ربّك؟

قلت: الله،

 قال: فمن أنت؟

 قلت: لا أعرف.

سمعتُ مَنْ يضحك من ورائي وامتدتْ يدٌ تمسح رأسي،

أطلّ الملاك الأحمرُ وقال: الآن.

 

لما تكلّم لامستِ السماءُ الأرضَ وكنتُ بينهما أتنفس من خرم إبرة.

 

 

والآن صرت أبعدَ من  نفسي عني، أعلى من قباب الذهب،

 إلى حيث لا يصل النظر كنت أطيرُ، كالسهم المسدّد الى غيب الغيوب،

أعلى من الجوزاء

واحداً وكثيراً

صرت جمهرةَ خلقٍ كلّهم أنا،

ورأيتُني واجماً أرتفع معي:

إلى أين؟

كلّ هؤلاء أنا وما من أحدٍ يخبرني إلى أين نحن سائرون.

إلى أين، أقول.

فيردّ عليّ أنا: إلى أين؟

 

ألا من يخبرني؟

 

ألا من يخبر نساءنا ذوات البراقع أنّ شمساً مؤبدة تأكل الآن جباهنا،

أن الذئاب التي اجتاحتنا أدخلتنا الجنّة نازفين؟

وها قد تزيّنتْ لنا حورُها،

شربنا ماءها الحميم،

ونبحتْ في وجوهنا كلابُ الفردوس.