............................................................

 

 

سحر قصيدة النثر


" لنكن شهوداً علي ما يستعصي على التقدم وننقذ شرف الأسم "

 جان ليوتار

 

أولاً: من الفجوة التي أحدثتها قصيدة النثر، دخل الالتباس على اسم الشعر كنوع أدبي تقليدي ، ومن الفجوة ذاتها تعين على النص الجديد ان يستقي من منظومة مفاهيم وأعراف جديدة ( التخطي ، التجاوز، المغامرة والاختلاف ) . وبدا كما لو أن قصيدة النثر هي التجلي الشكلي لهاته الطروحات  وأن إعادة تعريف الشعر التي جرى التنظير لها ليست هي الهدف من تلك المغامرة ، بل هي مجرد محطة عابرة في سفر سيطول. 

وبانفلاش اسم الشعر كجنس أدبي وانتهائه الى هامش قصي بعد أن كان هو المتن والكتابة والكتاب، دخلت القصيدة أرضاً بابلية بامتياز، أرض النص الجديد، الأرض التي انهار فيها البرج وتبلبلت الألسنة. 

ثانياً: الالتباس الذي يطلقه المصطلح باشتماله على ( قصيدة  + نثر ) شأنه شأن كل إزاحة مفهومية، يخلق مساحة أكثر سعة، ويستدعي نحواً من التبديل على أصول اللعبة من الاساس، فما ثمة فرادة الا وديدنها ائتلاف مختلفينِ او جمع قطبين متنافرين لا لقاء لهما  الا في شرعة تجب ما قبلها وتعد بما يليها، ولا تستحق الفرادة اسمها الا حين تكون نفياً وتبشيراً ، إلغاءً ووعداً. 

ولأن الحداثة الشعرية ـ بنمطها الذي شاع واصبح كلي الحضور منذ مجلة شعر ـ طامحة الى اكتساب فرادة دائمة كان من علائمها البينة ، الطرْق على مصطلحات التخطي، التجاوز، الإختلاف، المغايرة، وكلها ألفاظ مترعة بالمفهوم الزماني: إلغاء ما سبق، والوعد بما يلي، ولأنها كذلك كان لا بد من تجلٍ شكلي يحرث لهذه الفرادة أرضها ، ويجعل الوعد رهناً بالخيار الممكن لا مجرد أصبع تشير ابداً باتجاه الاقصى. 

ثالثاً: هذا هو الرحم الذي خرجت منه قصيدة النثر العربية، وكان  حتماً على ثمرة المختلف أن تكون مسكونة بالتناقض، ليس بدلالة جمعها بين قصيدة ونثر فقط، وانما بدلالة فتحها باباً لا يفضي الا اليها، أي الوصول معها ومن خلالها الى منغلق دائرة التجلي الشكلي لطروحات الحداثة الشعرية، فما من إزاحة شكلية طرأت أو ستطرأ على هذا ( النمط ) الشعري الا وهي داخلة في ملاكه، وليس ثمة  وعد يمكن لقصيدة النثر التلويح به الا وخرج على هيئة تنويع على نوعها السائد.

فمنذ ان انحسرت سلطة الموزون أو كادت ، بطل سحر قصيدة النثرولم تعد هي العلامة الدالة على المختلف ، حيث انتفى ما تختلف عنه أو عليه، وكفت عن ان تكون وعداً باشكال أخرى مذ صارت الوعاء الذي يسع كل إنفلات، وتستقر  هادئة في قرارته كل ثورة.

انها محنة كل وعد نبوي ـ تبشيري ، محنة المختلف الذي ما ان يتخلل الممكن حتى يخلد الى الأرض التي تجذره عميقاً في الشائع والمكرر والمتشابه ، لا بسبب من الضيق والمحدودية ، وانما بسبب السعة التي لا تجعله متعديا الى سواه، سعة البحر الذي لا تختلف الموجة فيه عن أختها.

رابعاً : ان تحطيم جدران العروض أوصل الشاعر الى رحابة مقلقة، فانقلب كفاحه الى وجهة اخرى، الى اجتراح حدود وبناء جدران وسدود داخل قصيدة النثر ذاتها،  هذه الحدود اتخذت صيغة تابوات

لم يكن لها حظ من التقعيد أو التقنين ـ كما كان يحدث لمسلمات العمود الشعري مثلاً ـ بل كانت مجرد محاولات للوصول بالنص  الشعري إلى ذروة انسلاخه عن نفسه.

من بين هذه التابوات ، إفراغ النص من محتواه الإنشادي ـ الغنائي بدعوى تعزيز سلطة المكتوب الذي أصبح اقنوماً ثابتاً لدى شعراء قصيدة النثر بعامة، الأمر الذي صار لدى الكثير منهم مسلمة أفضت بهم الى الجنوح نحو كتابة ذهنية لم تكن الا تهويماً ناتجاً عن إستقصاء ما هو غنائي والتضييق عليه .

ونحن حتى لو لم نكن في معرض الدفاع عن الطاقة الانشادية في النص الشعري فلن يكون بمقدورنا إبداء التعاطف مع هذا المد الذهني الذي لا يني ينتج نصوصه المتشابهة لشعرائه المتشابهين.

خامساً: قصيدة النثر جعلت من الشعر ظاهرة كتابية . وبتكريس أعراف الكتابة داخل النص تقاربت أصقاع الأجناس الأدبية بعضها من البعض الآخر. ويبدو تحت التملي العميق أن ( النص المفتوح ) ثمرة حتمية  لاندغام الشعري بالنثري وليس خياراً أكثر ( حداثة)  يعمد البعض لحيازته لإثبات تفوقه وتمايزه.

غير أن هذا الاختلاط والسيولة ( النوعية ) لم ينبها الشعراء الى السؤال الأهم  الواجب التصدي له وهو المتعلق  بما يتعلق من الشعر  ( كاسم لنوع أدبي، ) في قصيدة النثر، وتحديداً في النصوص التي خلقت تنافذاً بين الأجناس.

سادساً:  أنسي الحاج ودهشته المستترة، سليم بركات وبذخه اللغوي، زاهر الجيزاني واسطرته لليومي ، وديع سعادة وتأمله الثري، شاكر لعيبي وكرنفالات صوره، عقل العويط وصلواته، باسم المرعبي وتقطيره للألم، وآخرون قلائل غيرهم

الوعورة التي خلقها اقتران  القصيدة بالنثر كانت لدى هذه الأسماء محرضاً على التواؤم مع التنافر بتنشيط مادة الاختلاف، فمن تعدد الأصوات ، الى استثمار الأجناس ، إلى تشكيل الفراغ واستنطاقه ، الى تكثير المراجع وتعددها وتنظيمها بشكل واع ومدروس، أصبحت الكتابة الشعرية لديهم تعلن عن نفسها بوصفها بقعة معرفية بامتياز.

 غير أن معادلة ( قصيدة + نثر ) لم تحرض البعض الآخر من ( الشعراء ) سوى على استنفار حساسية الاستسهال التي يوفرها غياب الوزن، تعضدهم في ذلك موهبة مفتقدة، وقراء خاملون