|
أحمد
عبد الحسين:
لا
العطش ينتهي
ولا الينبوع
حاورته
الشاعرة
اليمنية
نبيلة
الزبير
نبيلة
الزبير: من
المنجزات (الشخصية)
لقصيدة
النثر أنها
تبرأت من
أدعياء
الكتابة
بالوحي أو
الإلهام
وقدمت لنا
كاتبا/ ت
واعيا/ ت ...
هل تتحكم
بمجريات
القصيدة من
أول البياض
إلى آخر سطر،
أم يحدث أن
تدخل بك ـ
القصيدة ـ
أغوارا لم
تكن تفكر
بدخولها قبل
الكتابة؟
أحمد عبد
الحسين :هل
تخلصت قصيدة
النثر حقاً
من (شوائب)
الوحي
النبوئيّ؟
أنا غير ذي
ثقة من هذا.
قليلة هي
التجارب
التي تعاطت
مع القصيدة
بوصفها
فعلاً
معرفياً (واعياً)،
كان دائماً
هذا الخلط
بين العمق
وإغماضة
النبيّ، بين
الإصغاء الى
سرّ الوجدان
والتقاط
الوحي، بين
السبر في
مطاوي الذات
واستلام
بروق
النبوّة.
أمامي
كثير من
الأمثلة
التي تشهد
على أن قصيدة
النثر
العربية لم
تبارح
الرؤية
الشعرية
التي كانت
سائدة زمن
الجاهلية (أشرت
الى بعض هذه
النماذج في
مقال لي
بعنوان
أراجيز
الحداثة
العربية).
مازالت
الأراجيز
على أشدّها
لكنها الآن
تقال نثراً.
كل
البهارج
الشكلانية
للقصيد
النثريّ
الجديد
تتساقط إذا
ما نظرنا الى
كيفية قول
الشاعر أناه
أولاً،
ومقدار
ابتعاده أو
اقترابه من
الأغراض
الشعرية
العربية
التقليدية
ثانياً.
في
المستوى
الأول نلاحظ
أن (أنا)
الشاعر قيلت
باللسان
القديم،
بلسان مشدود
الى صحراء لم
تعرف الا
اختلافاً
حاداً
ومتوحشاً
فظلّ
التفاخر
والهجاء على
حاله لكنه
اكتسى هنا
مداورات
كلامية
التفّتْ على
نفسها
لتقوله
أخيراً.
ماذا
يعني هذا؟
هذا يعني
أن العفوية
والتلقائية
والسليقة
والارتجال
هي محرضات
الفعل
الشعري
لدينا في
قصيدتنا
النثرية.
أين
الوعي في كل
ذلك؟
لا أعرف
لكن إذا
تحدثت عن
السائد
الشعريّ لن
أجد أمثلة
كثيرى تعضد
الافتراض
الذي
تفترضينه: أي
وجود شاعرات
وشعراء
واعين.
والوعي
هذا (إذا وجد)
لا يستتبع
بالضرورة
تحكماً من
قبل الشاعر
بمجريات
قصيدته من
أول البياض
الى آخر سطر
كما ذكرتِ،
بل هو يؤسس
لدى شاعره
معرفة بما
يقوم به من
عمل: انه في
لحظة
الكتابة
يكون على
موعد مع كلّ
مخزونه من
معارف
وذاكرة
ومكبوت ولا
وعي، وعليه
مهمة تصفية
هذا الإرث
واستثماره
في نصّ.
ثمة
الدهشة التي
يأتي بها هذا
العمل وهي لا
تشبه بأية
حال دهشة
نبيّ يقال له
فجأة: إقرأ. بل
دهشة من ينقل
نصاً يعرفه
الى لغة اخرى
فيجده صار
نصاً آخر
كأنه ليس هو.
اندهاش من
استلّ قطعة
من هذه
الفوضى التي
في أعماقه
فوجدها تصلح
للنظر اليها
كنتاج ذي
مغزى قابل
للتداول
خارجاً.
أشبّه
هذا الإرث
الذي نحمله
بغرفة
تتلاطم فيها
أصوات
مختلطة.
الشاعر هو من
يستطيع أن
يلتقط في
لحظة صفاءٍ
صوتاً
واحداً
وينقل الينا
الأخبار،
نحن الذين لا
نكاد نتبيّن
من هذه
الجلبة
شيئاً ذا
معنى.
الشاعر
رسولٌ ناقل
للمعنى، وهو
لا ينقل عن
الغيب بل عن
هذا الحضور
الكثيف
السيّال
الذي تغيب
فيه المعاني
لكثرتها
واختلاطها
ببعضها.
لهذا لا
استطيع
إدعاء اني
اتحكم
بقصيدتي
كلها. ولا
أعرف الى مَ
ستنتهي،
لكني أعي
أمراً
واحداً وهو
أنْ لاشيء
يأتي من
لاشيء كما
قال عمّنا
شكسبير، وأن
ما سيأتي الى
النصّ من
عجائب
تدهشني
أولاً (لكي
تكون قادرة
على ادهاش
قارئها) هي
عجائب النفس
وقد اكتستْ
لغةً،
تُرجمت الى
العربية بعد
أن كانت
هائمة في لغة
غفل لا اسم
لها.
نحن
مترجمون. كل
الشعراء
مترجمون.
وهنا ملاحظة
دقيقة تتعلق
بفعل
الترجمة
نفسه:
فعل
الترجمة يقف
حدّاً وسطاً
بين الكتابة
والقراءة.
فهو ليس
كتابة من
عنديّات
المترجم ـ
الشاعر
واذاً فهو لا
يمكن أن يكون
فعلاً
واعياً
بالكامل. وهو
ليس تلقّياً
فقط بل تحويل
الى هيئة
أخرى، فهو
إذاً ليس
وحياً
أوانتظاراً
لما يجود به
نصّ يتلى
علينا. انه
بين بين.
إصغاء
وإنباء،
اشتغال على
نصّ، لا
شرحاً له او
كتابة بين
سطوره بل
تحويل لمجمل
النصّ من لغة
الى اخرى: أيْ
ترجمة.
لهذا
لابدّ لنا ،
ونحن نكتب،
من الدخول
الى أغوار لم
نتنبأ بها من
قبل.
المفاجآت
هنا هي ما
تأتي به
اللغة وهي
تشق طريقها
لقول ما
عرفناه
وخبرناه.
انها تأتي
بالمدهش،
وتؤسطر
شؤوننا
الأليفة.
لا عجب
اذاً لو
رأينا
أفعالنا
اليوميّة
مثلاً وقد
قدمت نفسها
الينا
بوصفها
أساطير.
أتذكر
تعليقكِ
أيتها
العزيزة على
نصّ لي، على
هذا المقطع
بالذات:
(صباحاً
سيدوري تعضد
عتاد رعبك
أيها
المطمئن
ظهراً
أنكيدو يحرس
قيلولة
الندم في
ظهيرتك أيها
المحارب
مساءً
كلكامش يخصب
طاعونك أيها
المعافى)
قلتِ في
لفتة ذكيّة
ان هذه
المقطع يشبه
سؤال (أبي
الهول)
المثلّث،
وجوابه:
الإنسان.
هكذا نحن
نصنع أسئلة
معقدة
جوابها
الوحيد هو
الانسان: نحن.
لاشيء
خارجاً عنّا.
لكن اللغة
اذا تأتي،
تأتي ومعها
حمولة
تخصّها هي
وحدها، هذه
الحمولة هي
ما يدهشنا
أكثر لا
المعاني
التي هي
عندنا أصلاً.
نبيلة
الزبير :
هل تشبه ما
تكتب.. إلى أي
حد المسافة:
قريبة،
بعيدة،
ممكنة،
مستحيلة ... بين
ما تفكر وبين
ما تكتب؟
وبين ما تكتب
وبين ما تعيش
أو تسلك..؟
أحمد عبد
الحسين : ليس
من إنسان
يتطابق مع
منتجه. لأن
المعنى ـ
بسبب
اختلاطه
بالقول
ولاستيطانه
اللغة ـ
يقدّمنا الى
الآخرين
وفقاً لما
لسنا عليه
حقيقةً، انه
تحريف، لكنه
تحريف مبدع،
لا أحد في
الكتابة يصل
كما هو.
دائماً
أردّد مقولة
فوكو
العميقة:
(الإنسان
منتهٍ وحين
يبلغ قمة كل
عبارة ممكنة
لا يصل الى
قلبه بل الى
الحافة التي
تحدّه في
المنطقة
التي لا يجول
فيها إلا
الموت).
في
دراستي
للشعر
الثمانيني
العراقي
وجدت أن
عبارات من
مثل (أقول ولا
أصل..) (اتقدم
ولا أصل) (أقول
وأعني ....) كانت
تتكرر
بافراط.
عدم
الوصول هذا
يشكل هاجساً
لدى كثير من
الشعراء،
هذا الخوف من
أن الكلام
يحرّف
القصد، وأن
مغزى الشاعر
لا يكون أمام
القارئ إلا
مختلطاً
بشوبٍ
وكدورة هي
كدورة اللغة
ومكرها، أي
حياتها
وقوانينها
التي لا تأبه
بقوانين
القول
الداخليّ
الذي نرغب في
ايصاله.
هكذا
كأنما
المعنى يدفع
الى اللغة
ضريبة نقله
الى القارئ،
والضريبة هي
أن يعاد
تصنيعه
ثانية على
يديها، أن
يترجم (مرة
أخرى نحن
أمام فعل
الترجمة).
قلّة في
تراثنا
الشعري
تنبّهوا الى
هذا الأمر
وتصالحوا
معه.
الصوفيون
وحدهم (إنهم
أعمق وأجمل
ما في تراثنا
الإسلاميّ )
أشاروا الى
هذه المسألة
بأبلغ ما
يكون. خذي
مثلاً قول
النفريّ : (كلّ
معرفةٍ لا
جهلَ فيها لا
تبدو). كم هي
رائعة. مكثفة
وتامّة
الدلالة على
ما نحن فيه.
المعرفة
التي لا يدخل
الجهل (ألاعيب
اللغة) في
صياغتها لا
يمكن لها أن
تظهر. ستظلّ
دون هذا
الجهل
غفلاً،
هائمة. لا بدّ
من جهل إذاً.
أي لا بد من
خلف
المواعيد مع
الذات
ومغازيها.
لن يقيّض
لنا أن ننصّ
على حقيقتنا
أبداً. لأننا
نجيء دائماً
من قبلُ أو من
بعدُ ولا
نحضر في
الموعد
المحدّد.
قلت مرة
في قصيدة لي:
(كلما
استجمعتُ
رعبَ قلبي
وقلت
بالحاضرالدافق
أجْلوْه،
بالينبوع
الذي وُلد
اللحظةَ
معي، رأيتُ
اني جئت من
قبلُ او من
بعد وان
لاوقت لي
يصلح لان
أسميه الان
فالان
فوات أوان.)
انها
مسافة
مستحيلة
فعلاً . مسافة
القلق
والتوتر بين
نصنا وما ينص
عليه.
ولن يصل
أحد.
لا يمكن
لأحد أن يكتب
نصاً ويقول:
هذا أنا.
تماماً
كما لا يمكن
أن نقول عن
النص
المترجَم
أنه هو
الأصل، غير
اننا لا يمكن
لنا أيضاً أن
نقول انه لا
يدلّ على
الأصل هذا.
نبيلة
الزبير : هل "أنا"
القصيدة هي
بالضرورة "أنا"
الشاعر؟
أحمد عبد
الحسين : أظنّ
أن الجواب
نعم. وإلا هل
يستطيع شاعر
أن يقول أنا،
دون أن يقصد
أناه هو؟
قد يكون
هناك نصّ
يباشر
اقوالاً
يراد منها
التعبير عن (أنا)
جمعية،
كالنصوص
التي كُتبت
على يد
الشاعر ـ
حامل الراية
والمشعل،
الشاعر الذي
هو صوت
المجموع (مجموع
ما)، قصائد
محمود درويش
تصلح مثالاً
جلياً على
هذا النوع من
الكتابة، إذ
غالباً ما
يُنظر الى
الذات في
شعره على
أنها لا تخصّ
أحداً
مفرداً
بعينه حتى
ولا درويش
ذاته. كأنما
الصوت
الدرويشي
يأتي مما
وراء الذات
التي تكتبه
ويتجاوزها.
من (سجّلْ
أنا عربيّ)
الى (أنا يوسف
يا أبي)، لا
يمكن لنا أن
نفهم أن
العربيّ هذا
هو ذات
مفردة، كما
لا يمكن فهم
أن يوسف الذي
يتشكى من
أخوته هو
انسان فرد.
انه
الفلسطينيّ
طبعاً (درويش
متلبّس
بمهمة
الناطق
الرسميّ
للفلسطيني)
الفلسطينيّ
ذات عامّة
طالما
تسيّدتْ شعر
درويش كلّه.
أظنّ أن
هذه ميزة كل
شعر ذي قضية (القضية
هنا بالمعنى
الذي
تستخدمه
الأدبيات
الحزبية، مع
الإشارة الى
ان الشاعر
ليس عليه أن
يكون
متحزباً
ليغدو ذا
قضية فنزار
قباني كان
صاحب قضية
دون ان يتحزب).
أدونيس
كان في
أولياته
يكتب هذا:
أناه اختلطت
بـ(أنا)
المجموع
بحيث بات من
المتعذر
القول أن من
يتحدث في
مهيار أو في (هذا
هو اسمي) هو
أدونيس نفسه.
طبعاً لا
أنسى
القصائد
التي كان كلّ
طموحها أن
تقول ما
يريده
الناس، كان
الشاعر فيها
لا اسم له ولا
رسم الا
التعبير عن
الكليّ،
لنأخذ قصائد
مظفر النواب
التحريضية
أو الساخرة
من الحكام. أو
قصائد
البياتي
التي انطوت
على سذاجة
سياسيّة
وضعف فنيّ
واضحين.
لا ننسى
كذلك نزار
قباني الذي
انشغل هو
الآخر بقضية (وان
لم تكن
سياسيّة)،
كأن تنصيبه
لنفسه
ناطقاً
رسمياً باسم
المرأة
إعفاء مستمر
له من مهمة
قول أناه هو.
كان صوت
الشاعر
والموظف (المتحدث
الرسميّ
باسم المرأة)
يختلطان
بحيث لا يكاد
أحد التمييز
بينهما.
في
الستينيات
كانت لعبة
مسليّة
انشغل بها
الشعراء
ونقادهم
طويلاً ،
مسألة
القناع في
الشعر. كان
الجماعة في
حفلة
تنكريّة
كبيرة على ما
يبدو!
الفرق
واضح طبعاً
بين شاعر
يعمل على
استعارة ذات(تأريخية
مثلاً) لأنها
تتطابق مع
ذاته هو،
وبين آخر
يجعل من شعره
وذاته أيضاً
لافتة دالّة
على أقاويل
هذه الذات
التأريخية.
خذي
السيّاب
مثلاً كان هو
والمسيح
أخوين من أب
وأمّ!، بل كان
هو هو، في
المسيح بعد
الصلب نقرأ
المسيح
يتكلم لكننا
يمكن لنا
القول انه
السيّاب هذا
الذي (أعين
البندقيات
يأكلن دربه)
وليس عيسى بن
مريم.
لم يكن
حلول المسيح
في السيّاب
لعباً
فنيّاً
فحسب، كان
خلاصاً له
وطريقة
لتقبّل
الموت الذي
هجس السيّاب
انه قريب
منه، كأنما
الأمر هكذا:
مادمت سأموت
قريباً
فلأمت
فادياً،
فلأمت
مسيحاً،
ليكن على دين
الصليب
موتي، هذه
طريقة
السيّاب في
محاولة
الخلود:
(كم حياة
سأحيا ففي كل
حفرة
صرت
مستقبلاً
صرت بذرة
صرت
جيلاً من
الناس
في كلّ
قلبٍ دمي
قطرة منه
أو بعض
قطرة.)
واذاً
فهي أنا
السيّاب
التي كانت
تهدر في كلّ
هذه المناحة
الشعرية
العظيمة
التي صاغها.
أقارن
هذا الفعل
السيابيّ
المبدع بما
فعله
مجايلوه (كالبيّاتي
مثلاً) وأرى
كيف أن
الآخرين
استعاروا
ماشاءوا من
الأقنعة في
حفلتهم
لكنهم ظلوا
أبداً أصغر
مما
استعاروا
ولم يفلحوا
في الحضور لا
وجوهاً ولا
أقنعة.
أعود الى
السؤال
فأقول: نعم ...
إن أنا
القصيدة قد
تتخذ لها
مسارب
ملتوية
لكنها تظلّ
في النهاية
أنا الشاعر.
أو لأقلْ أن
الشاعر
يحاول أن
يقول أناه
بصيغ مموّهة
قد تبدو انها
محلّ لحضور
ألسنةٍ
كثيرة.
نبيلة
الزبير : هل
تشتغل (كشخص
له
اعتباراته
الاجتماعية
وعلاقاته)
رقيبا على
قصيدتك؟
وإلى
أي حد تنتصر
للقصيدة ولو
على حساب
نفسك أو
علاقاتك..؟
أحمد عبد
الحسين :
أعتقد اني لا
أكفّ عن
مراقبة نفسي.
تعرفين
السلطات
القمعية
الثلاث في
كلّ خطاب،
تلك التي
تحدث عنها
فوكو في درسه
الأول في
الكوليج دي
فرانس. أظن
أنها حاضرة
لدى كل من
يكتب. ليس من
سقوط حرّ ولا
من انثيال
واسترسال
مطلقين.
لعبة
الكتابة
الآلية التي
بشّر بها
السورياليون
هي الأكثر
انعتاقاً من
أنشطة
المراقبة،
لكنها فنياً
أنتجت
رميماً من
الهذر، هو
ذات الهذر
الذي نراه
أحياناً هنا
وهناك في
نصوصٍ تعتمد
الإزاحة
اللغوية
مبدأً
وحيداً لها.
أظنّ
أيضأً أن
صنوف
الرقابة لا
تتعارض مع
الانتصار
للقصيدة. ليس
يطلب من
القصيدة أن
تكون مثالاً
على حريّة
البراري.
فالتدجين
فعل إبداعيّ
أيضاً.
هل
تلاحظين ان
كفاح الشاعر
في قصيدة
النثر انقلب
الى بناء
سدود وخلق
حواجز
لاستيعاب
السيولة
التي يأتي
بها غياب
الوزن؟
أنا
ألاحظ ذلك
فعلاً،
وأراه عملاً
لا بدّ منه.
غير
مقيّض لنا أن
نقول ما يرد
الينا دفعة
واحدة بلا
معقبات
تخففه.
أنتِ
كشاعرة
تعرفين أكثر
مني أسماء
الخدم الذين
في لسانكِ،
أولئك الذين
يمنعونكِ من
قول
أنوثتكِ،
وتصالحتِ مع
هؤلاء
العسس،
وحضروا في
شعركِ. أليس
كذلك؟
هناك
خدمٌ (أكثر
تهذيباً
ربما) في لسان
كلّ شاعر(ة).
انهم الخدم
الذين
يردّون
التحية على
النقّاد
والأعراف،
على شرطة
الدولة
وشرطة الله (أصحاب
الإفتاء).
هؤلاء
الخدم يمكن
التصالح معه
والضحك
عليهم
وإرضاؤهم.
لكنّ
أسوأ أنواع
الخدم هم
أولئك الذين
يجرون
مفاوضات
دائمة مع
السائد
فنيّاً،
الذين
يوسوسون
للشاعر انك
لا بدّ لك من
مراعاة ما
تصالحتْ
عليه الناس
انه شعر، لا
يمكن لك أن
تخالف
العالم.
لابدّ لك من
أخذ نموذج (الشاعر
الكبير) في
الحسبان
والنسج على
منواله... الى
آخرها من
الآيات
الشيطانية.
هؤلاء
الخدم
ينتهون
بالشاعر الى
أن يتحوّل
الى سكرتير
لادارة
الأعمال
وتصريف
مطالب
السائد. أنا
أعرف كثيراً
من هؤلاء
الشعراء
بربطة عنق
وبدلة
محترمة
وشِعر لا
يخالف
القواعد
التي أملاها
عليهم هؤلاء
العفاريت.
أظنّ أن
كل الشعراء (الكبار)
العرب، أو
الذين في
طريقهم
ليصبحوا
كباراً بأذن
الله ، قد
تمكّن منهم
هؤلاء الخدم
الشياطين
وطرحوهم
أرضاً
فصاروا
كباراً!
فلنستعذ
بالله من
هؤلاء
المردة . لكن
لنعرفْ قبل
كلّ شيء أن
السقوط
الحرّ مفهوم
لا مصداق له.
نبيلة
الزبير: هل
لديك محاذير /
ممنوعات
كتابة، من أي
نوع ؟
أحمد عبد
الحسين : نعم،
أحذر من كلّ
قول هو على
طرف اللسان.
أخشى
الإغتراف من
الينبوع
الأقرب اليّ. كلّ
ما هو قريب من
يدي عدوّ لي.
كل ما تصالح
عليه الناس
انه مُراد
شعرياً (وعليه
طلب كبير في
السوق) أنفر
منه.
العبارات
الجاهزة في
الشعر كابوس
لي. الرؤى
الجاهزة
أيضاً،
رؤانا
الشعرية
العربيّة
الألفية
التي لا أعرف
متى ستنتهي،
هذه الرؤى
تسبب لي حكّة
في القلب!
قبل فترة
فكرت ان كلّ
شاعر عربيّ
لو فحصنا
نصوصه
وطرحنا
سؤالاً
واحداً
محدداً على
هذه النصوص:
هل هي مع
تمجيد
الوجود أم مع
الانغماس في
العدم
والضياع؟
لرأينا
دون شكّ أن
شعراءنا
طلّاب عدم
ومحترفو ضجر
ومدمنو
أفيون،
باختصار هم
خبراء في حقن
نصوصهم
وأرواحهم
بهذه
المادّة
السمّية
التي اسمها
عدم تقبّل
الوجود.
رأيت
نفسي حينها
أكتب نصاً
أسميته بهذا
العنوان
الطويل: (رسالة
في أن الوجود
خير محض على
كلّ حال).
ومرة
تأمّلتُ في
تعاطي
الشعراء مع
مفردة
التيه، كلهم
تائهون
ياللغرابة،
وكلّهم
يتشكى من
التيه الذي
يحياه، كأنه
يشتكي من
مرض، فكتبت
نص (تيه) الذي
كان تمجيداً
للتيه
والتائهين
الذين لم
يشيخوا بعد
ليغدو تيههم
مرضاً عليهم
التخلّص منه.
هكذا ... كلّ
مايريد جعلي
سكرتيراً
شخصياً
للشاعر الذي
فيّ ... أحذَرُ
منه وأحذّره
من الاقتراب
مني.
نبيلة
الزبير:
لاحظت عند
بعض العرب في
أوروبا
التصاقا
باللغة
العربية
وتغنيا
وتماهيا (كأنما
هي الوطن أو
الحب) لدرجة
انقضاضهم (كأكثر
مما يفعل
السلفيون)
على من يعرض
لمشكلاته مع
اللغة.. برأيك
هل استطاع
المثقف
العربي ـ
الكاتب
تحديدا ـ أن
يعيش ثقافة
الغرب (كجزئية
مدمجة في
ثقافته
الكلية) أم
فقط يطل
عليها
غريبا؟
أحمد عبد
الحسين : عيش
ثقافة الغرب
واستيعابها
.... هل تجدينه
مناقضاً
للالتصاق
باللغة
العربية؟
أنا لا أراه
كذلك.
طبيعيّ
أن تكون
علاقة
الكاتب
بلغته
شغفاً،
وكلما كان
أكثر
ابداعاً
كلما كان
أكثر عشقاً
لها. اللغة
وطن فعلاً،
ونحن في
النهاية
أبناء الف
باء تاء ثاء !
اللغة
انتماء.
إذا كنت
عربياً
فلأني أتكلم
العربية فقط
وفقط. لا أعرف
أيّ دمٍ
أحمله، أيّ
خليط من
الدماء يجري
في جسدي لكني
أعرف أن
عروبتي هي في
لساني
وكتابتي. هذا
مصداق حديث
رائع للرسول :
(ليست
العربية
بأحدكم من أب
ولا أمّ. إنما
العربية من
اللسان، فمن
تكلم
بالعربية
فهو عربيّ).
أظنّ أن
من يتعشق
اللغة هو
أكثر من يعرض
لمشكلاته
معها وأكثر
من يعرف هذه
المشكلات.
ليس
مضطراً لأن
يأخذ على
عاتقه وظيفة
المجامع
اللغوية
العربية
التي كلّ
شغلها تصيّد
أخطاء مذيعي
التلفزيون
وتصحيحها،
أو ملاحقة ما
يخترعه
الغرب من
آلات وتعريب
أسمائها!
الأمر
أخطر من هذا
كما أعتقد.
هناك مدّ
جارف من
شعراء وكتاب
يتعاطون
واللغة
بصفتها آلة
إيصال فحسب،
وهو ما يفسّر
هذا المدّ من
النصوص التي
تأخذ اللغة
في حدّها
الأدنى،
الأقرب
لمتناول
اليد، الحدّ
الذي تقف فيه
مهمة اللغة
على الإشهار
لا أكثر.
اعتقادي
ان هذا
بتأثير
الترجمات
أولاً. ثم
نشوء ثقافة
ثالثة لا
تخصّ أحداً
بعينه،
ثقافة
تتعالى على
خصوصيات كل
لغة.
ليس أمر
الخوف على
اللغة من
اختصاصنا
وحدنا.
الفرنسيون
باشروا
نقاشاً لم
يتوقف حول
هذه النقطة
تحديداً:
الخوف على
اللغة من
الذوبان في
هذه اللغة
العالمية
التي لا تنفع
الا للإشهار.
هل هذا
التعاطي
الفوقيّ مع
اللغة سمة
عصرنا؟ وهل
هذه السمة هي
القيمة
المهيمنة
لأدب اليوم
أو لأدب
الأيام
القادمة؟
ليس لديّ
جواب فوريّ
لكني اذ
أتذكر
بيانات
التسعينيين
العراقيين
الناصّة على (ان
اللغة أداة
توصيل)، وإذ
أقرأ يومياً
هذه النصوص
الشعريّة
المحتفلة
بتحييد
اللغة، أدرك
أننا إن لم
نكن وصلنا
فعلاً الى
التخلّي عن
عشقنا للغة
العربية
فنحن في
طريقنا الى
ذلك. وهو أمر
محزن.
لن يقيّض
لشعب ما أن
يكتب أدباً
كبيراً دون
أن يكون
متجذراً في
عشقه للغة.
هذه
اللغة التي
توصِل فقط هي
لغة
عرضحالجية (الذين
يقفون على
ابواب
الدوائر
الرسمية
لكتابة
العرائض
للناس لقاء
أجر).
قبل ايام
قرأت حواراً
مع غونتر
غراس قال فيه
انه يستطيع
بسهولة أن
يميّز النصّ
المكتوب
مباشرة على
الكومبيوتر
من النصّ
المكتوب على
ورقة ثمّ
نُضّد
لاحقاً على
الجهاز.
وفكّرت كم هو
ابن لغته هذا
الكاتب
الكبير!
مَنْ منا
نحن العرب
تنبّه لما
لحق باللغة
الأدبية
بتأثير
الأنترنت؟
لا احد.
الأدباء
الجدد فتحوا
عيونهم
الأدبية في
زمن
الأنترنت،
كثير منهم
نشر أول ما
نشر في
الصفحات
الالكترونيّة،
أيْ انه مشبع
بهذه اللغة
السريعة
التي تقفز
على الأخطاء
اللغوية
والسياقات
الضعيفة
وتتعامل
معها بخفّة
ولا أباليّة.
هذا كله
بحاجة الى
دراسة كما
أظن.
صديقتي
لأكن أكثر
سوقيّة
وأقول:
للحدّاد
مادة لعمله
هي الحديد،
وللنجار
مادّة لعمله
هي الخشب،
وللكاتب
مادّة لعمله
هي اللغة. ومن
العسير عليّ
أن أتخيّل
كاتباً
مبدعاً دون
ان يكون
عاشقاً
لمادة عمله
عارفاً بها
ضليعاً يعرف
أسرارها
ويقلّبها
كلّ آن على
وجوهها.
ليس بين
النفريّ
العظيم
وشعراء
الفترة
المظلمة
الذين كتبوا
في وصف
المخدّة
شعراً سوى
هذا الفارق
الأساس: ان
النفريّ كان
شغوفاً
باللغة، في
حين كان
شعراء
المخدّات
شغوفين
بالمخدّة
ذاتها !
نبيلة
الزبير: هل
تصلح
القصيدة لأن
تكون ابناً
شرعيا
لعلاقة بين
طرفين
أحدهما
الشاعر..
أحمد عبد
الحسين :
كثيراً ما
حدث هذا كما
أعتقد. نصّ
يولد بتحريض
من علاقة بين
اثنين
أحدهما
شاعره أو
شاعرته، ليس
في ذلك غرابة.
أما أن يكون
شرعياً أو
غير شرعيّ
فربما كنتِ
تقصدين
مقدار تعبير
هذا النصّ عن
قوة العلاقة
مثلاً أو دفق
العاطفة.
هذا أمر
ملتبس، لأن
مصادر الشعر
أكبر من
الشعر ذاته.
الحبّ
مثلاً، عشق
المرأة
للرجل أو
الرجل
للمرأة لا
تستنفده
النصوص.
نغترف منه
والينبوع
يضحك من
أيادينا
الصغيرة. قيس
بن الملوّح
انتفخت
أحشاؤه
وانفجر من
كثرة ما شرب
وظلّ
الينبوع على
حاله
بانتظار من
يريد أن يموت
ارتواءً. لا
العطش ينتهي
ولا الينبوع.
نبيلة
الزبير: هل
تصلح
القصيدة لأن
تحمل رسائل ..
وإن كان هل
تكون هذه
الرسائل
محددة
ويسيطر على
محمولاتها
الشاعر بوعي
وقصدية
مسبقة.؟
أحمد عبد
الحسين :
مادامت
اللغة لا
تنفكّ عن
الدلالة
فكلّ قول
يحمل رسالة.
من العسير
على المرء أن
ينشئ قولاً
لا يدلّ،
انظري الى
مسابقات
الهذر التي
تقام باسم
الإزاحة
اللغويّة
لاستقصاء
المعنى
واقصائه. لم
يفز أحد
بالمسابقة
إلى الآن.
يحرثون في
البحر.
هذا عن
الرسالة
بمعناها
الأوليّ
المساوق
لدلالة
الكلمات.
أما عن
الحمولة
القصديّة
التي يتكفّل
المكتوب
كلّه بالكشف
عنها، فهي
مما يتحكم به
نمط الكتابة
ذاته. في
القصائد ذات
القضية
العامّة
تكون
الرسالة
المنكشفة
الواضحة
التي تتماهى
مع أقوال
شائعة هي
مناط قوّة
هذه القصيدة.
القصيدة
الحديثة لا
تعفي نفسها
من حمل
الرسائل
وبثّها
أيضاً. كلّ ما
في الأمر
أنها تتوخى
نقل رسائل
سريّة فيها
أقاويل لا
تتماثل
بالضرورة مع
ما يُطلب
عادة.
نعم
أفترض أن
الشاعر
الحقيقيّ
يعرف مسبقاً
فحوى رسالته
التي
سيوجهها،
ليست إغماضة
لحظة
الكتابة
إغماءً،
انها إغماضة
لذة على سرير
نعرف جيداً
لماذا نحن
عليه الآن،
وما الذي
يتوجّب
علينا
إنجازه!
نبيلة
الزبير :
حسناً يا
أحمد .. هل
أكتفي هنا؟
أحمد عبد
الحسين :
تعبتُ وأنا
أجيب على
أسئلتكِ
العميقة
نبيلة. تعبٌ
لذيذ هو.
ممتنّ لكِ.
نشر
الحوار في
صحيفة (النهضة)
البغدادية
|