............................................................

 

حرب على الحرب

 عن مقالة أحمد عبد الحسين (حرب على الينابيع)


 

معتز رشدي

 

أُصاب بخيبة أمل عندما أقرأ كلّ هذا الركام من الشعر والنثر العربيين، كلّ هذا الغياب للجوهر تحت مسميّات الحداثة وما بعدها.
أتساءل ان كانت حداثة الجهل أو جهل الحداثة هما البديل عما يطالعنا به الواقع من حقائق لا تسرّ أحداً.
أريدُ قراءة أدب يضيء، يفيض، يعيد قارئه الى إيمان اين منه الإيمان بآيديولوجيا أو إله بعينه. هل من وظيفة اخرى للأدب ؟
إن موت الشعر ضرورة لابدّ منها، عنيا به شعر الحداثة كما تصورناها ونظرّنا لها؛ لذا تبدو لي فرضية أن زماننا العراقيّ سيتحفنا بروائع في النقد والأدب القصصي، فرضيةً صحيحة؛ إنهما البديل الحتميّ عن هذه الفوضى الشعرية.
قبل شهرين وقع تحت يدي كتاب للشاعر فوزي كريم وهو بعنوان ( ثياب الإمبراطور)، أنهيت قراءة الكتاب في ظرف يومين ليس من السهل عليّ نسيانهما البتة، كما لا أعتقد ان تسعين بالمائة من شعراء الحداثة قد كتبوا شيئاً يضاهي دقة وروعة ما كتبه فوزي كريم في كتابه سالف الذكر، وخاصة ما يتعلق منه بالسيّاب.
نحن هنا أمام قراءة نقدية ارتقى بها صاحبها الى سلالم في الأدب عالية.
والحقّ اني لم أقرأ مدةَ عمري من كتاب نقدي يضاهيه سوى كتاب (بناة العالم) لستيفان تسفايج بفصوله الثلاثة عن هولدرلين وغوته وديستوفيسكي.
قراءتي للثياب قلبتْ كلّ شيء فقد أعادتني الى التفكير في قراءات لي سابقة لديستوفيسكي ونيتشه والتوحيدي والمعرّي والسياب نفسه، ممن كانوا حين أُسأل إنْ كنت قد قرأتهم جيداً كنت أجيب بنعم غير مدرك أني باعطائي جواباً كهذا لا أعمل سوى على التوغل أبعد في حفلات الزار الغبية الخادعة حيث الطنين على أشدّه في أوساط مثقفينا.
كتب كمال سبتي مقالة عن فهم فوزي كريم للحداثة رابطاً إياها بطريقة لا تخلو من الابتسار بفهم خزعل الماجدي لها، غير مدرك ـ وهو الشاعر الرائع والناثر الممتاز ـ أن صاحب ثياب الامبراطور كان يوجه سهام نقده الى فهم وقراءة الشعراء العرب أنفسهم للحداثة ومنهم بالطبع أدونيس وخزعل الماجدي وبقية روّاد الباهت المجرد من القول، من جعلوا القصيدة أقرب شبهاً بحجر مرميّ في فضاءات الذهن العضلية المجردة، منها الى أي شيء آخر؛ والعضل ، أي تدخّل الذهن بطريقة فجة في عملية الكتابة تعبير كثيراً ما يرد في متن الكتاب وهوامشه.
هل قرأ كمال سبتي الكتاب؟ أشكّ كل الشكّ في ذلك، وأحسب ان انحيازه لفهمه هو ذاته عن الحداثة في الكتابة الجديدة، دفعه دفعاً لا هوادة فيه الى قراءة لا حداثة فيها للكتاب. وأنا هنا أفترض انه قرأه وتأوله، فالقراءة فنّ أي تأوّل وتفكر أولاً قبل أن تكون تأهباً للدفاع عن النفس.
لست بالناصح لشاعر مهمّ مثله لكني مذكّره بما لا ينبغي لنا نسيانه عندما نقرأ: ان النقد هو الذي فتح أبواب الحداثة، ان الحداثة نقد أيضاً وليست فقط بالشكل الشعريّ الخالي من الوزن والقافية، انها قراءة لقراءات وتفكيك لخطابات؛ إذا نظرنا الى هذه الأخيرة في شتى تجلياتها السلوكية واللفظية.
كان هذا تمهيداً لا بدّ منه قبل الدخول الى موضوع مقالتنا وهي تتعلق جملة وتفصيلاً بـ(حرب على الينابيع) المنشورة في صحيفة المدى.

1

كل ما أردت قوله ولم تسعفني عليه تجربتي كشاعر له من الرغبة ما لسواه في تأكيد حضوره الشعريّ، لكن على حساب الشعر كما اكتشفت فيما بعد؛ قاله الشاعر أحمد عبد الحسين في مقالته (حرب على الينابيع). وقد كنت قبلُ من جملة الشاكين سلاحهم في حروب خاسرة كهذه. لا شيء غريباً فيها عليّ ـ أي المقالة ـ فأنا من مواليد 1975 وكنت ابتليت، مثل سواي، بفظاعات الباهت المجرّد من القول مع فارق مهم: أن الجيل الذي أنتمي اليه زمنياً وُلد ميتاً، وخيراً فعل أحمد بدحضه لركيزة من أهم (وأوهى) الركائز التي قامت عليها أوهام هذا الجيل والمتمثلة في القول الذي صار له من الشهرة وسوء الصيت الشيء الكثير (اللغة أداة توصيل). تلكم هي العبارة التي أُريدَ لها عنوةً أن تكون انقلاباً على السائد من عتيق الكلام، وما هي كذلك. أي اللغة في الدرجة صفر، التي هي أقرب الى ما تطالعنا به الترجمات منها الى أي شيء آخر. هكذا تمّ الحكم على اللغة ـ التي هي المسكن الأخير للكائن ـ بالمكوث في فضاء خالٍ من كل سحر وجاذبية، هما في صميم كلّ قصيدة جديرة باسمها.
قصائد التسعينيين والحالة هذه، قصائد ـ سندويتشات؛ ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن الدور التخريبيّ الذي مارسه الحصار الإقتصادي الطويل من جهة، ورغبتهم في وضع حدّ للعب اللغويّ الباذخ والبارد في نصوص الأجيال السابقة عليهم، من جهة ثانية.


2

في سنة ما من تسعينيات القرن المنصرم تجرّع خزعل الماجدي السمّ في منتبذه البغداديّ اذ سحب بساط الحداثة من تحت قدميه ذاتهما معلناً على رؤوس الأشهاد، تفسّخَ جثتها في فراديس مطولاته الشعرية الباردة، بعد ثلاثين سنة من الكتابة، وكأن الحداثة من جملة أملاكه الشخصية.
ترى ما السبب؟ هل لأن الحداثة بالنسبة لروّاد الباهت من القول مكان آخر خارج العالم؟ حيث الأنا المسبّحة بحمد ذاتها، أنا الفرد ـ الساحر، عنيتُ الداعيةَ الى مستقبل للشعر لا يعلم عنه سوى صاحبنا وحده، أنا نبيٍّ لا تأتيه الحيرة من بين يديه ولا من خلفه يلقي قنابله النصيّة الينبعث منها دخان الحداثة وما بعدها من دون التفات الى الجانبين؛ مثل جناحين يطيران به الى غد مظلم وتضيئه الحرائق.
اذاً فليهنأ دعاة الكذب الغامض الجميل بغد (حاضر) كهذا.
تحولت القصيدة من مأدبة للكشف المضيء الى سلّم يرقاه صاحبنا الى مستقبل كاذب فينا. إن شعر هؤلاء لمثقل بالاعتباط اللغويّ والصوريّ (أدونيس وسليم بركات على سبيل المثال لا الحصر).
في العراق مثلاً فتحت لأمثالهم أبوابها الوسيعةَ دولةُ القائد الضرورة. وما الضير ماداموا لا يكتبون الا الباهت من الشعر ولا يهيئون لكلّ مبهمة عصيّة الا حشواً رثاً من آرائهم. لا أقصد انهم فعلوا ما فعلوه رغبة منهم في النشر وما يستتبعه من شهرة أو جاه، ولكن ذكاء ودهاء الدولة، أي بما هي سلطة، عملا على الاستفادة من شيوع ظاهرة الشاعر الكاذب الغامض والجميل، أيْ من لا همّ له سوى تأكيد حضوره في مملكة الشعر بعيداً عن أيّما انشغال بهمّ وطني، أو، اذا شئت، انسانيّ.
بذا أحمد ملامٌ في عرف البعض، بحجة انه خلط بين شيئين لا يصحّ الخلط بينهما، عنيت بهما ظاهرتي الثقافة والسلطة، وكأن الشعر ليس من الثقافة في شيء، هكذا يعيد الخطأ العراقيّ انتاج ذاته وتكريسها مع إضفاء صفة القداسة عليها إذا استدعى الأمر.
الا يصحّ للشاعر الغيور أن يتساءل، في ظلّ غياب شامل لكل معيار نقديّ، عمّا هو الشعر وما ليس منه؟
بعد موت البياتي كتب سعدي يوسف مامؤداه أن: (ليس البياتي بشاعر الا في النزر اليسير من شعره. ان أمة صدقت اسطورة البياتي وقالت بها ليست بأمة شعر ولا شعراء كما تحاول إيهامنا وتوهم نفسها).
كتب سعدي ما كتبه بعد وفاة البياتي لا أثناء حياته المديدة الكسولة خوفاً من لسانه الحادّ، لسان شاعر الحب والحرية والثورة والاطفال والعصافير وموسكو وبرلين والزيتون.
لمَ نركن الى الصمت في اللحظة التي يتوجب فيها علينا الكلام؟
الوقت يمضي والأساطير الشعرية الكاذبة تتفاقم ونحن نيام على وسائد من يقين سعيد بائد ويتفسخ؟
لمَ ننتظر موت فلان لنطرح رأينا بصراحة فيه؟

ما كتبه أحمد يشكّل خير بداية لزمن قادم نقديّ لا قداسة فيه لشيء سوى لصدقية الإبداع الحقيقي حيث تتطابق الخبرة الروحية للفنان ومنجزه الفنيّ.
(حرب على الينابيع) حرب على الحرب. تنطوي على صراحة شافية مع الذات والآخرين.
التفت أحمد الى بداياته فرأى انها تعاني من الداء ذاته: عدم الرغبة في الوصول بالمعنى الى القارئ؛ انها لعمري نزاهة تحسب له لا عليه.
ما أحوجنا الى صرحاء مثله. مقالة هي فعل كريم من أفعال الأمل والحرية.
فقط عندما يدرك المرء حريته يصنع تأريخه. انها ثورتنا العراقية المقبلة : أن نعمل جاهدين على استنطاق عقلنا وتأريخنا الجمعيين. لا إبداع من دون نقد، ويصح العكس. لا نقد النصوص فحسب بل النقد بالمعنى الشامل، نقد الذات والآخر، وعدم الركون الى يقين كاذب لا حيرة فيه, فالحرية، بالمعنى الهيجلي، ( ليست وهماً ولا قدرة واقعية على الاختيار. إنها عقل، أي قدرة غير محدودة للذات الواقعية على معرفة تجربتها بالتعبير عنها وبوضعها في مكانها وبتحديد دلالتها في التأريخ؛ وبهذا تقيم بين دلالتها وبين الدلالات الأخرى علاقة معقولة. لا يمكن للحرية أن تكون من عالم التجربة لأن عالم التجربة لا يكون الا ذاتياً نسبياً، أي جائزاً، أو إذا شئت، ضرورة عمياء؛ وليس أيضاً إستبعاد (تنحية) عالم التجربة، ففي هذه الحالة لا تكون الا قصداً ومشروعاً أو حلماً، وبالتالي لا يمكن لها أن تكون الا تلك الحركة المعطاة في واقعة اللسان والمعرفة نفسها، وهي الحركة التي بها يصير عالم التجربة معقولاً)
ولنرَ كيف عبّر شعراؤنا عن مفهومهم للحرية بمفردات من رميم القول وعيّه (سحر، هدم، تفجير، شذوذ، كسر، تحطيم، مضاجعة اللغة، سبر سرّ الكون والأفلاك .... الى آخره).
نحن هنا أمام شاعر يحلم بتفجير اللغة وكسر عمودها الفقريّ وسبر سرّ الكون، لكنه يعجز عن التعبير عن ذاته والوصول بالمعنى الى القارئ.
أكثر من نصف قرن مرّ على ثورة الروّاد ونحن مازلنا أسارى لمفهومين عن الثورة، المفهوم الأول شدّ رحاله الى مضارب ـ آيديولوجيات الأحزاب المتحاربة على ذلك الينبوع المسموم المسمّى سلطة، بينما عثر الثاني على ضالته المنشودة في نقود ونصوص شعراء بيروت وتوابعها ولواحقها في بقية العواصم العربية.
هكذا دُ فعنا دفعاً لا هوادة فيه الى خيار من خيارين لا متنفس بينهما: إما موسكو البياتي وناظم حكمت ومظفر النوّاب في شعره الثوريّ الرديء المكتوب بالفصحى، وإما بيروت ومجلة شعر خزعل الماجديّ أوزاهر الجيزانيّ، وقد كان الأخير من أشدّ المولعين بالتجارب الشعرية الفرنسية المتطرفة في ما بعد حداثتها (باتاي، آرتو)، ولا أعلم ان قد قرأها بالفرنسية التي لا يجيدها، أم بالعربية في مجلة شعر؟
زاهر صاحب المطولات المنغمسة في شكلانيتها وبذخها اللغويّ، هو الآن شاعر قصائد رعوية موزونة وعاقلة، حتى كأن قوافيه أجراس عُلّقت في رقاب ماعز جبليّ تصطكّ منها أذنا قارئ شعره.
هكذا شُيّعت حداثة مغرقة في التجريب اللغويّ المتطرف الى مثواها الأخير على أنغام الفراهيديّ.

3

في مقالة رائعة نشرتها (إيلاف) للشاعر والمفكر العراقيّ عادل عبد الله، نجد التأكيد ذاته من قبل الكاتب على ضرورة انهمام الفنان في الشأنين السياسي والاجتماعي، ونبذ أنانية التخصص الشكلانيّ المفضية بالفنان الى هامش يضيق وحرية تتكلّس.
يشكو الفنان العراقيّ من التهميش والاستبعاد. يصرخ من العزلة وعدم رغبة المجتمع في الانصات اليه وفهم رسالته (المترجمة ترجمة سيئة عن اللغات الأخرى)، لكن الحقيقة تقول لنا شيئاً آخر: الفنان ارتضى لذاته القبول بالأمر الواقع، وكأن الأخير، على ماكان عليه من تفاهة ووضاعة، هبةٌ نزلتْ عليه من السماء، إذْ أصبحت كلّ مقاربة بين السياسة والفنّ محطَّ سخرية وانتقاص، بل اذا شئت، دلالة بيّنة على عدم جديّة الفنان ولا حداثته.

4

والآن: أما آن لهذه الترهات أن تُكنس؟
أحسب أنْ قد آن لها ذلك.