............................................................

 

ماذا لو استطعنا أن ننزع من الفكر صفة التغالب؟


العولمة ذات جوهر معرفيّ بالأساس، رغم تجلياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وطوال التأريخ لم تكن لوسائط نقل المعرفة هذا القدر من التأثير على المعرفة ذاتها كما هي عليه اليوم، الى حدٍّ يمكن لنا معه تعريف العولمة بأنها القيامة التي شهدتها هذه الوسائط، لا الحمولة الثقافية التي تتضمنها؛ بعبارة أخرى فان التعارف وطُرُقه هي التي تبدلتْ لا المعرفة.

التعارف المؤدي الى التعرّف يفترض كيانين متمايزين. والقرآن الكريم أوجز هذه العملية بمنتهى الإبهار :(وجَعَلْناكُمْ شُعوباً وقَبائلَ لِتَعارَفُواْ....) حيث التعارف لا يكون الا بين مختلفين (شعوباً ، قبائل)، اذ الإختلاف شرط التعرّف، بل هو حدّه اللازم.

 وبطبيعة الحال فان التعرّف مقدمة للمعرفة، إذ الإستزادة من الآخر زيادةُ تحصيل تنضاف الى الذات، وكلُّ ارتحالٍ صوبَ مجهولٍ لابدّ أن  يأتي بالجديد الذي يُغني معلومَنا. وإنما المعرفةُ التعارفُ.

غير ان التعارف هذا لا يمكن فهمه غُفْلاً بمنأى عن طريقة أدائه والواسطة التي يتمّ إنجازه بها ومن خلالها. وكلّما تقدّمنا أكثرَ في السيطرة على هذه الوسائط، والتحكّم بها كلما صرنا أقدرَ على الفهم، فهمَ الآخر والذات والعالم من حولنا.

إن هذه الوسائط تغدو كاللغة؛ مهما حاولنا البلوغ بالمعاني الى أقصاها فاننا ندور في أبهائها.

ليست واسطة التعارف الثقافي اليوم؛ الأنترنت فقط، بل تلك الحزمة من الأعراف والأخلاق التي تخلقها وسائل الاتصال فائقة السرعة (ومنها الأنترنت طبعاً).

 أعرافٌ من قبيل: الفهرسة، وتقبّل النمذجة (كالتعامل مع ثقافةٍ ما من خلال انموذج لها، أو تحويلها هي الى انموذج) ، سيادة المنطق الإحصائيّ... باختصار كلّ ما من شأنه قبول العالم الافتراضيّ هذا كنافذة للاطلالة منه على العالم الحقيقيّ.

وأخلاقٌ مساوقة لهذه الأعراف: كالتعدّد والتجاور وتقبّل التنافر غير المحسوم ....أي كلّ تجليات الديموقراطية معرفياً.

وأحسب أنّ من كان بمستطاعه التوفّر على هذه الأعراف والأخلاق هو الأقدر على الفهم، الأقدر على معرفة المجهول ـ الآخر، وبالتالي الأقدر على امتلاك هذا الآخر، مادام (كلّ معروفٍ يدخل في حيّز العارف واستيلائه نحواً ما) كما قال الغزالي.

 

لطالما اشتكى المثقفون العرب من انكشافنا أمام الغرب، (معلوميتنا) لديه، ومجهوليته لدينا، غير ان هؤلاء المثقفين كانوا أبعد ما يكونون عن تلمّس المنفذ الذي يتيح لنا قلب المعادلة أو موازنتها، حين راحوا يبحثون المسألة بعقلية لم تزل ترى الى مكامن القوّة في تحوير أقاويل الغرب عنا وردّها عليه، أو في انتقاء بضع خلاصات من الفكر الغربيّ تسهم في نقد المشروع الغربيّ ذاته، وفقاً للقاعدة العربية التي مات تأثيرها الا في مضاربنا: ( من فمك أدينك).

 وأحسب ان قراءتنا لتشومسكي، بل حتى لدريدا وفوكو وإدوارد سعيد، لم تخرج عن هذا الاطار.

نحن لم نقرأ فيهم قوّة الفكر حين يباشر مهمته في أن يكون انتقادياً، بل استخلصنا منهم ما يعزّز وثوقيتنا بذاتنا الصمدية، ويهدم ما ابتنى عليه بنيان الآخر.

انه إفراغٌ للمعرفة (بوصفها عملاً نقدياً في الاساس: للذات أولاً) من محتواها ومغزاها، وجعلها أداة تغالبٍ وصراعٍ في حرب لم نمتلكْ عدّتها بعدُ، ولم نحزْ أسباب الصمود فيها؛ تلك العدّة التي لا تتعلق بنوع المعرفة فقط بل بتوجيهها، ولا مدخلية فيها للأقوال فحسب بل لوسائط تداولها.

من هنا فَقْرُ المشاريع الفكرية العربية الساعية الى (غزو) الآخر بطرق (عربيّة) خالصة، كمشروع (الإستغراب) لدى حسن حنفي، الذي يريد به موضعة الغرب، جعله موضوعاً للدرس والفحص، كما كنا ومازلنا موضوعاً له في علوم الاستشراق.

فقر هذه المشاريع يكمن في انها لم تسعَ الى فهم التبدّل الهائل في طبيعة مصادر القوة الآن، حيث انسحب المعرفيّ (بوصفه أقوالاً ونصوصاً كبرى) ليُخلي المكانَ للمعرفة المتلبّسة بوسيلة الاتصال (كالذكاء الصناعي مثلاً)، أو للمعرفة باعتبارها  تجليات (أخلاقية) كما في كتاب (الثقة) لفوكوياما.

ان صفة التغالب ليست من الثقافة في شيء.

هذه الصفة هي بعض آثار خطابٍ آيديولوجي ذي نواة صلبة تَكسِر أو تُكسَر، كخطاب القومية العربية  الذي انتهى بعد أن أنهى معه إمكانيات هائلةً للنهوض؛ أو كالخطاب اللادني (نسبة الى إبن لادن) الذي قسّم العالم الى فسطاطين، أحقّهما أكثرهما استعداداً للموت.

وهكذا فالعرب اليوم (ومثقفوهم بالأخص) يتوزعون في مجموعتين، الأولى مستسلمة الى تقليد المثال الغربيّ والذوبان فيه والتبشير بالعولمة باعتبارها ديناً وطريقةَ خلاص. والثانية لا تمتلك الا فعل الموت، الاستشهاد وتمجيده، الرفض المطلق للغرب، لا لأقاويله وخطابه بل حتى للتعرّف اليه، وكراهية طُرُق هذه المعرفة، ومصادر القوّة التي ارتبط إسمها به: كحقوق الانسان، حقوق المرأة، حقوق الأقليات، الممارسات الديموقراطية ..الخ.

ومع اننا نتشدق في كوننا أمة وسطاً، وان من أعظم ما جاد به علينا تراثنا هو إعلاؤه للوسطية منهجاً حياتياً، الا اننا نصرّ على السكنى في أحد الطرفين المميتين: الإستسلام أو الإستشهاد.

بين تجييش الجيوش من جهة وتهيئة الراية البيضاء من جهة أخرى، ثمة شيء إسمه التفاوض. هذا ما لم يعرفه العقل العربيّ للان.

العقلية التفاوضية تستلزم انخراطاً واعياً في إنجازات العولمة.

والتفاوض مؤدٍّ بالضرورة الى التحاور.

والتحاور الى التعارف.

والتعارف الى التعرّف.

والتعرّف الى المعرفة.

وانما المعرفةُ التعارفُ.  


 كُتبت جواباً على سؤال استفتاء أجراه الشاعر جمال الحلاق  .... كيف نتعامل والعولمة؟