|
|
............................................................ |
|
|
|
||
|
إسكاتُ
الناطق
ومنعُ
الصواعق رسالة
في ذمّ النقد
وتسفيه
النقّاد إعلمْ
، رعاك
اللهُ، أن
كثيراً من
الجُمَل
الثقافية
الكبرى التي
تكون مهيمنة
في عصر دون
آخر، تحوز
ثباتاً يجعل
الأغلبيةَ
تتواضعُ لا
على صدقها
فقطْ بل على
أهليّتها
للحضور في
كلّ جهد
معرفيٍّ
وإنْ بشكلٍ
موارَبٍ. خذْ
مثلاً جملةَ (مركزية
الإنسان)
التي اطلقها
"كانت" في
جوابه عن
سؤال "ما
الأنوار"،
تجدْ انها
استغرقتْ
قروناً وهي
تمارس
فعاليتها
المنتجِة
لشتّى
المعارف،
قبل أن يتمّ
التشكيكُ
بها من
قِبَلِ
فلاسفة
الاختلاف
منذ منتصف
القرن
الفائت.
مثلها مثل
جملة نقد
الميتافيزيقيا
التي أضحتْ
مثابةً تتمّ
العودة
إليها أبداً
لقراءة كلّ
نصّ. هذه
الجمل
المؤسِّسة
للقيم
الثقافية
تحمل في
أحشائها
بذرةَ
فنائها،
لأنها تظلّ
أبداً محضَ
مفاهيمَ.
والمفهومُ
دأبُه
استنزافُ
ذاته في
استيلاد ما
يخالفه
ويضادّه. ذاك
إن فعاليّته
تتحدّد في
كونه عضوياً
مع أسئلة
عصره، يمنح
كلَّ مشتغلٍ
بالثقافة
نافذةً يطلّ
منها على
سؤاله
الخاص، وهذه
الأسئلة
نفسها من
شأنها توليد
قيمٍ أخرى
واجتراح
جمَلٍ جديدة.
وفي النهاية
ليس للمثقف
من أدوات
يباشر بها
عمله سوى هذه
المفاهيم
على ما بيّنه
دولوز في "ما
الفلسفة"
حين عرّف
الفلسفةَ
بأنها (صداقة
المفهوم)،
ناقضاً
التعريف
القديم (حبّ
الحكمة). لنتوقف
قليلاً عند
هذه
الانتقالة
من "الحبّ"
إلى "الصداقة"،
ومن "الحكمة"
إلى "المفهوم":
الصداقة
ليست ضدّاً
للحبّ،
لكنها ـ وهنا
الفارق
الأساس
بينهما ـ لا
تنفي
التنافسَ،
لأننا يمكن
لنا أن نكون
صديقينِ
متنافسينِ.
لكننا لا
يمكن أن نكون
حبيبينِ
متنافسينِ
أبداً. أليست
هذه
الانتقالة
هي جوهر كلّ
فعلٍ نقديّ؟ إلا
يجدر بكلّ
ناقد أن
يستبعدَ
صفةَ الحبِّ
"التي تعني
الاستغراق
في المحبوب
استغراقاً
مانعاً من
التنافس
وإيّاه"،
واستبدالها
بهذه
الميّزة
المنتِجة:
الصداقة،
أيْ "المحبة"
مأخوذة بشرط
أن تكون
بيننا مسافة
تسمح لنا
برؤية
بعضنا،
بالتنافس،
الانتقاد،
وجعل كلّ منا
موضوعاً
للآخر. هذه
هي المقولةُ
المحرّكة
لكلّ نقد. شائعات: فإذا
عرفتَ ذلك
فاعرفْ أن
ثقافتنا
العربيّة ـ
التي
تخترقها
مقولات
ثقافيّة
اختلطتْ
بالأخلاقيّ
والمقدسِ
والعُرفيّ
حدّاً بات من
العسير
تمييز حصّة
كلّ فريق
والفصل فيما
بينها ـ لا
تجدُ فيها
أبداً
محرّضاتٍ
على ممارسة
النقد، ربما
لأن كلّ ما
يختلط
بالأخلاقيّ
داعٍ إلى
الاستصحاب "بالمعنى
الفقهيّ" ،
ويغدو لسان
العُرفِ
حينها
الأكثر
سلاطةً
وبلاغة من
بين
الألسنة،
لأن العُرف
يتساوق
والمقدس. المقدّس
والعُرف
والأخلاق،
على ما نرى
عياناً،
يشكّل
الثلاثيّ
المانع
للصواعق
النقديّة في
ثقافة العرب.
وهذا
الثلاثيّ
أنتج ولم يزل
كلّ
مقولاتنا
الثقافية
التي هيمنتْ
وما تزال
مهيمنة منذ
أن كان "الناقدُ"
العربيّ
القديم يعيب
على الشاعر
قوله: كأنّ
مشيتها من
بيت جارتها بقوله
إنه أساء في
شعره لأنه
جعل من
حبيبته
مرواحة
مجياءة من
بيت إلى بيت!
مروراً
بمحاربة
الكتابات
التي شكّكتْ
بالشعر
الجاهليّ
بحجة ان هذا
الشعر صار
شاهداً على
أهليّة
الكتب التي
تفسّر
القرآن، تلك
الكتب التي
أغلبها في
حقيقة الأمر
مجرّد ترجمة
للقرآن
العربيّ إلى
اللغة
العربية
موجّهة لنا
نحن العرب!،
إذ هي تبحث عن
الكلمة
ومعناها
فحسب، لكننا
سميناها
تفاسير
تجوزاً وقلة
تدبّر منا.
غير ان لذلك
حديثاً آخر. وصولاً
إلى زمننا
السعيد
الآن، حيث
كثرتْ
أعدادُ
المتطوعين
في سلك "شرطة
الله"
الذابّين
عنه
والملاحقين
لكلّ النصوص
بُغيةَ
التفتيش
فيها عمّا
يمكن أن يسيء
لمقدّسٍ ما. صفوةُ
الكلام: ان
مانعَ
الصواعق
النقديّ ذا
الثلاث
شُعَب، لم
يزلْ شغالاً
وفاعلاً وله
ممثلوه
الذين يشكّل
المتدينون
الغالبَ
فيهم، ومنهم
أيضاً من
ينتفخ
علمانيّةً
وماركسيّة
وليبراليّة،
إلا انهم
جميعاً
يشتركون في
تقديس مبدأ
الاستصحاب،
وإبقاء
ماكان كما
كان، فليس
بالإمكان
أكمل ولا
أجمل مما كان. إن
الموعظة
الأخلاقية
والدينيّة
هي التي
شكّلت أبرز
مقولاتنا
الثقافية،
إنها قيمةُ
القيم. وهي
أبديّة
لأنها "حِكمةٌ"
وليست
مفهوماً.
ثابتة لأن
علاقتنا
معها علاقة
حبّ وتولّه
لا علاقة
صداقة. وفي
ذلك إبطالٌ
للنقد
وتسفيه له بل
تجريم لمن
يمارسه. وهذه
الجُمَل ـ
الحِكَم هي
النواة
الصلبة
للثقافة
العربيّة،
وهي تنتج
باستمرار
وبلا هوادة
مقولاتٍ
تتفرع عنها،
وكلّها لم
تأخذْ
نصيباً من
الفحص. إنّ
المقولة
التي لا يمكن
التثبت من
صحتها لكنها
مع ذلك
تلوكها
الألسنُ
يومياً، لها
اسم واحد فقط
لا غير:
الشائعة. والشائعة،
أدامك الله،
كلامٌ لا
يُعرف قائله
على وجه
التحديد،
ولا يمكن
نقضه أبداً
كما لا يمكن
إثباته،
لكننا لا
يمكننا
تجاوزه
بسهولة وعدم
الإهتمام
به، نحن
نأخذه على
محمل الجدّ
في العادة
ونأبه له.
وإنْ كنتَ في
شكٍّ من قولي
فأنا أحيلك
إلى مبدأ
الإحتياط في
الإسلام
ليتضح لك
الأمر أكثر. أغلبُ
الجمَلِ
الثقافية
التي قُيّض
لها أن تسهم
في تكوين
ثقافتنا هي
محض شائعات،
ولذلك هي لا
تُنقض ولا
تُثبت.
وسيأتي
تفصيل ذلك،
فللكلام
ربّاط. ربّاطُ
الكلام
ومناسبته
كثرة
المقالات
التي تُكتب
هذه الأيام
ضدّ من يمارس
النقد
بأقلامٍ
وقحة، أقلام
تتوهم انها
قادرة على
اصطناع
صواعقَ في
سماء
ثقافتنا
العربيّة
الصافية....
وهي صافية
لأنها ملأى
بموانع
الصواعق
الكثيرة. أدونيس
ومنتقدوه: كتب
الشاعر
السوريّ
لقمان
الديركيّ
مقالاً قلّل
فيه (يا
لوقاحته) من
أهميّة منجز
أدونيس
قياساً إلى "سعادة"
الشاعر
الكبير
وسعادة
عائلته،
مقالاً لا
أتفق مع
الحمولة
الشخصيّة
التي فيه
والتي جعلتْ
منه سرداًَ
لأوضاع
عائلة أسبر
السعيدة. ففي
آخر الأمر لا
يملك واحدٌ
مثلي إلا أن
يتمنى
سعادةً أكثر
وأوفرَ لهذه
العائلة،
وللقمان
الديركيّ
أيضاً الذي
يبدو أنه
يعاني نقصاً
في السعادة،
مع اني تركته
في دمشق
سعيداً
جدّاً. ما
يهمنّي هنا
هو الردود
التي أعقبت
مقالة
الديركي.
ولزامٌ عليّ
التأكيد على
انني لا
أدافع عن
مقولات
الديركيّ،
بل أروم كشف
الآليات
التي تتعامل
بها ثقافتنا
مع النقد. قرأت
ثلاثة ردود:
لفاروق
صبري،
جاكلين
سلام، وعبد
الكريم
الكيلانيّ. الثلاثة
اشتركوا في
مقولة واحدة
حكمتْ
ردودهم،
مؤداها ان
لقمان يبغي
الشهرةَ من
وراء مقاله،
فهو يقوم
بالتعرّض
لاسمٍ لامعٍ
وكبير ليتم
تداول اسمه
هو ويحقق
الشهرة التي
تنقصه. ولم
يكتفِ
الثلاثة
باتهام نيّة
لقمان
والتفتيش في
خاطره بل
عمدوا إلى
تعميم هذه
النيّة
ليقولوا
انها باتت
سائدة،
مَركباً
يركبه كلّ
باحث عن
الشهرة. قال
صديقي
المسرحي ّ
فاروق صبري: (أطلقْ
تهمة أو
شتيمة ضد
مبدع تحصلْ
على مكانة
رفيعة في
الإعلام
المقروء
والمسموع
والمرئي
وبشكل خاص
الأنترنيتي
منه). قالت
الشاعرة
جاكلين سلام: )يبدو
أنها دارجة
هذه الأيام
سياسة كيف
تصبح
مشهوراً،
محط أنظار ،
في 4 نقرات،
الأولى:
أن تشتم
وتتهكم على
شاعر (كبير) في
ساحة
الابداع
والفكر
والشعر
تحديداً....)
وللأسف لم
تذكر صديقتي
الشاعرةُ
النقرات
الثلاثَ
الأخرى بل
وضعت بدلاً
منها حشداً
من النقاط. وكتب
الشاعر عبد
الكريم
الكيلانيّ
خطاباً
حماسيّاً
جاء فيه: (ولاأخفيكم
سراً بأنني
تألمت
كثيراً
عندما قرأت
مقالا لشاعر
مغمور يحاول
الصعود على
أكتاف
العباقرة
والعظماء
بينما هو
قابع في
صومعته
المغلفة
بشبح
النسيان
والعقد
المحشوة
بالخيبة
والحرمان) !
ويضيف بنبرة
حاسمة : (الشهرة
لاتؤخذ هكذا
ياصديقي
الشاعر). الفقرات
المقتبسة
أعلاه تذهب
إلى ما تريد
دون مواربة:
جعل الأمر
كلّه منوطاً
بالتفتيش عن
الضمير الذي
أملى على
لقمان
الديركيّ
كتابته،
البحث في
خاطره عن
غايته مما
قال. وغايته
هنا معروفة
طبعاً. هي
الشهرة التي
يروم
الديركيّ أن
يستقيها من
ينبوع شهرة
أدونيس
المبتلى
بالمغمورين. إنها
موعظة
أخلاقية
وحِكمة،
ملخصها: إن
الانتقاد
هنا فعلٌ غير
نزيه، لأنه
يستبطن نيّة
المنتقِد
لبلوغ
الشهرةَ على
حساب
المنتَقَد. لكنْ
.... أليست
هذه العِظة
استباقاً
لكلّ فعل
نقديّ ممكن؟ ألا
تصلح وصفةً
لكلّ من يروم
خلخلة قاعدة
صنمٍ ثقافيّ
كبير؟ ألا
تختفي قاعدة
الاستصحاب
وراء هذا
التفتيش
المحموم في
الضمائر؟ وهذا
الدفاع عن
المشهورين
ضدّ تطفّل
المغمورين....
إلى أي حدٍّ
يمكننا
مساواته
بالدفاع عن
العُرف
المشهور ضدّ
الشذوذ
والهامش في
ثقافتنا كما
في حياتنا
اليوميّة؟ ألا
تجد شيخاً
آمراً
بالمعروف
وناهياً عن
المنكر
صارخاً في
هذه العِظة
الأخلاقية
التي أطلقها
أصدقاؤنا
الثلاثة؟ هل
ترى الدفاع
عن القويّ (المشهور)
مماثلاً
للدفاع عن
الخالق الذي
يمارسه
المؤمنون
عادة، مع ان
الله في
كتابه يقول (إنّ
الله يدافع
عن الذين
آمنوا)، غير
أن العُرف
يلتهم
المقدس
ويظهر باسمه
ليتقدّس هو
الآخر. أليست
كلّ هذه
المحاولات
لاثبات سوء
نيّة الناقد
تكشف عن خوف
من التغيير؟ كم
يشبه هذا
الخوفُ
الهلعَ
المصاحب
للنطق بكلمة
"ديموقراطية"
و"علمانيّة"
لدى المواطن
العربيّ؟ إنّ
سدّ الطريق
على نقد
الصغار
للكبار له
استراتيجيته
العربية،
التي تقف في
مقدمة
آلياتها هذه
الركيزة
الأخلاقية
التي لها جذر
مقدس وإن
خفيَ،
جِدْها في
شعارات
السلف
الصالح،
والتطيّر من
البدعة، (فكلّ
بدعة ضلالة
وكلّ ضلالة
في النار)، (مع
أنّا قرأنا:
نعمتْ
البدعةُ
بدعةُ عمر)،
وفي "ما
تعرفه خيرٌ
مما لا تعرفه"
، و"دع ما
يريبك إلى ما
لا يريبك"،
وصنوف
الاحتياطات
في الفقه
والأخلاق
الاسلاميّين،
كما تجدها في
الأدب، خذْ
قولة
المعريّ: وقبيحٌ
بنا وإن
بَعُدَ
العهدُ
هوانُ
الآباء
والأجدادِ أليست
لهذه الآلية
ذات
المفاعيل
التي اشتغلت
بها السلطات
العربية
الحاكمة: كلّ
انتقاد
للكبير (الحاكم
أو الفقيه)
يستبطن سوءَ
نيّةٍ
وضميراً
أسودَ؟ الأمر
يشكّل فاجعة
حقيقية إذا
ما تنبهنا
إلى ان هذه
المقولة
التي تتخلل
ثقافتنا
تَرِدُ
باستمرار
وبشكل بات
تلقائيّاً
دون أن
يتساءل أحد
عن صدقها
أولاً، وعن
آثارها
القامعة
ثانياً، وعن
كشفها
لعبودية
المثقف
وارتهانه
لعُرفه
المهيمِن
ثالثاً
وأخيراً. الدفاع
عن العُرف
بعُنف: لا
أطمح في هذا
الرسالة إلى
إثبات خطأ
هذه الجملة
الثقافية
العربية
التي تقفز
مباشرة الى
الضمير
لتحاكمه،
إذْ لا سبيل
إلى ذلك، كما
لا سبيل إلى
تفنيد
الشائعة كما
أسلفنا.
وثقافتنا في
أعمّها
الأغلب
مؤسسة على
شائعاتٍ هي
التي تجعل من
كلّ
كتاباتنا ـ
على كثرتها ـ
غير ذات
فائدة، محض
أنشاء يزيد
من كنوز
اطمئناننا
وتطابقنا مع
السائد الذي
يدّعي
مبدعونا
انهمامهم
بتجاوزه "فنيّاً"
لكننا
جميعاً حين
يجدّ الجدّ
نقاتلُ
دفاعاً عنه
وتكريسه،
ثقافيّاً
وسياسيّاً. في
السياسة،
يحضرني الآن
مثال
التمديد
للرئيس
اللبنانيّ
وتغيير
الدستور
وتعطيل
العملية
الديموقراطية
في بلدٍ كنا
نعدّه صاحب
الديموقراطية
الوحيدة لدى
العرب. كلّ
ذلك لمواجهة
خطر التغيير
الذي
تتوعدنا به
أمريكا و"أذنابها"
من
المعارضين
السوريين
واللبنانيين.
تقديس
الاستصحاب
هذا خوفاً من
التغيير
تقابله
سخريتنا من
دولة
كأفغانستان
خرجتْ توّا
من فم التنين
وفتحتْ
عينيها الآن
على
ديموقراطية
ناشئة لم تكن
تعرفها من
قبلُ، أو
تقابلها
سخريّة
العرب
وتشكيكهم
بالانتخابات
العراقية
القادمة رغم
الإرهاب.
أليس كلّ ذلك
يجري وفقاً
لقاعدة (إبقاء
ما كان على
ماكان). أو (ليس
في الإمكان
أكمل مما كان). هذا
عن السياسة .. أما
في الثقافة،
فهناك
الحساسية
المفرطة في
التعاطي مع
كل نقدٍ
جذريٍّ
ووصمه
بالاختلال
الأخلاقيّ،
أو التبعيّة
للغرب، وهو
أمر طبيعيّ
لإن رُهاب
التغيير لا
بدّ أن يغلّف
نفسه
بتبريرات
تجعل منه
مختفياً
وراء
مقولاتٍ
متفَق
عليها،
كمقولات
الأخلاق
والتراث
والدين
والهويّة. الملاحَظ
أن الدفاع عن
السائد
ثقافيّاً (أشخاصاً
كباراً
وأفكاراً
كبرى) يعبّر
عن نفسه
بأساليب
تبلغ
أحياناً
درجة العنف
الكلاميّ
المؤدّى
بالشتيمة
والاستصغار
والسخريّة
والتهديد.
كَتبَ كاتبٌ
عراقي شابّ
اسمه أمجد
هادي مقالاً
انتقد فيه
الكبير (واللهُ
أكبر) سعدي
يوسف، فردّ
عليه الشاعر
محمد مظلوم
بقوله : (شُلّتْ
يداك). وفي
مقال الشاعر
عبد الكريم
الكيلانيّ ،
الذي أشرنا
إليه من
قبلُ، عنفٌ
صارخٌ عبّر
عنه
بثنائيات
قارن فيها
بين أدونيس
المنقود،
ولقمان
الناقد،
أجدُ من
المناسب
إيرادها في
هذا الجدول (وبألفاظ
الأستاذ عبد
الكريم كما
وردتْ نصّاً)
لتكون
شاهداً على
الهياج الذي
تفصح فيه
عقليةُ
الاستصحاب
عن نفسها دون
أن تشعر:
شيء
عن الثقافة
العراقيّة: أفترضُ
أن هذا
الهياج الذي
يبديه
المثقف في
المنافحة عن
المكرَّس
والمشهور
والمعروف في
مقابل
الهامشيّ
والمغمور،
هو ليس فعلاً
منفرداً أو
مقطوعاً عن
سياقه
الثقافيّ
الأعمِّ
المستمَدّ
أساساً من (قِيمٍ)
و(أخلاقياتٍ)
يحفل بها
تراثُنا
قديمه
وجديده،
وأظنّ أن
لافتراضي
هذا ما يسنده
بتتبّع
الهياج نفسه (لكن
بشكلّ أشدّ
وأعنف) في ما
يتعلق
بالجنبة
السيّاسية
أو الدينيّة. لن
تخدعنا
مقولاتُ
الاختلاف
والتفكيك
والإصغاء
للآخر التي
تلوكها
ألسِنةُ
مثقفينا
ومطابعنا،
فهي انتجتْ
لدينا
تمارينَ
كتابية فذّة
في تقليب
اللغة
العربية على
وجوهها
وإنشاء
سياقاتٍ لم
تكن مألوفة
في تراثنا،
لكنْ دون أن
تمسّ في
الصميم
العقليةَ
التي
مازالتْ الى
الآن تمجّد
السليقةَ
والتلقائية
والارتجالَ (فنيّاً)،
ولم تخدُشْ
التصالبَ
بازاء كلِّ
وافدٍ من
شأنه إحداث
تغييرٍ
جذريٍّ على
واقعنا وعلى
فهمنا لهذا
الواقع،
فنحن حين
أحببنا نقدَ
الذات الذي
أسكرتْنا به
كتبُ
تشومسكي
انما
أحببناه
لأنه نقدٌ
للذات
الأميركية
من أميركيّ
يهوديّ لا
أكثر. وحين
أُشيعَ
لدينا نقدُ
المركزية
الأوربية
واللوغوس
وتفكيك
الميتافيزيق
فإنما أشيع
ليس لأنه
منحنا
منهجاً في
النقد، بل
لأنه وهبنا
مقولاتٍ
سنستخدمها
في فضح هشاشة
التقسيم
القديم (مركز
ـ أطراف)، ما
يزيد من
صلابة
مقولاتنا
الممجدة
لذاتنا
الصمدية
المنقوش
عليها
بالخطّ
الكوفيّ :لا
مساس. وحين
عششتْ
البنيويةُ
لدينا
وباضتْ
فلأنها
منحتْ
مثقفينا
كنزاً
كبيراً:
أعفتْهم من
تكوين
أحكامٍ
قيمية عن
الظواهر
التي
يبحثونها،
فكان
مقدّراً لنا
أن نرى سيلَ
كتاباتٍ "نقدية"
هي والصمتُ
سواء. هكذا
نحن بارعون
في تلقّف كلّ
ما يَسمح لنا
بالكلام
مطوّلاً دون
أن نعني
شيئاً ذا
بالٍ. نطلب
كلَّ ما من
شأنه
إبقاؤنا
مثقفين (أي
متكلمينَ
بامتيازٍ)
دون أن يفرض
علينا
التصدّي
للواقعة
السياسية أو
التأريخية
أو الدينيّة:
استلمْ
النصوصَ
المترعة
بالانزياح
اللغويّ
والاحتفاليات
الباذخة
التي تطلب من
قارئها
الانتشاء
باللاقول (نصوص
ثمانينيات
العراق
مثلاً)، ثم
السردَ
المحشوَّ
بيوتيبيات
مسكِرةٍ
تحيلُ الى
لازمان ولا
مكان (بعض قصص
محمد خضير
والمرحوم
محمود
جنداري
الأخيرة،
وكثير من قصص
رياض كاظم
مثلاً). وحتى
حين تغيّرَ
الواقعُ (ليس
له من دافع!)
تغيّر
بمعزلٍ عنّا
كما في واقعة
تحرير
العراق من
صدام،
واحتلاله من
قبل أميركا،
فإن ذلك
الأمر
الجَلل الذي
يفترض انه
زاد من حريّة
المثقف
العراقيّ،
لم يسهمْ في
إيجاد هذه
العقلية
النقديّة
إلى الآن، (رغم
إعتقادنا أن
الأدب
العراقيّ
الآن الأكثر
حراكاً من كل
ما يجاوره،
وإن كان
الأقل تغطية
إعلاميّة
لأسباب
معروفة)، فها
نحن نرى
مثقفينا
يتلهون
بثنائية (الداخل
والخارج)
التي تكشف عن
تصعيد
نرجسيّ فيه
الكثير من
آثار
النبوّة
التي حكمتْ
صورةَ
المثقف بفضل
أدونيس
وهوامات
الشعريّة
العربيّة
الممجِّدة
للغامض
والمستحيل
وغير الدالّ..... فمثقف
الداخل: هو
أيوب النبيّ
المطالِب
بثمن صبره
على اختبار
الإله له،
والناجي من
التجربة بلا
إثم وها هو
يريد
الجائزة. ومثقفُ
الخارج: هو
يوسف النبيّ
المهاجر
والمبعَد
عنوةً عن
أبيه، ولن
تطمئنّ روحه
إلا إذا رأى
أخوته
والشمس
والقمر له
ساجدين! نبيّان
مجروحا
السريرة،
يطالب كلٌّ
منهما
الآخرَ بثمن
ألمه
الشخصيّ. إنّ
كلّ هذا لن
يؤسِس
ثقافةً
عراقية (بالمعنى
الذي تحدث
عنه الأستاذ
عادل عبد
الله حين
تساءل في
حوار معه
عمّا هو
عراقيّ في كل
الثقافة
المنتَجَة
الآن في
العراق وعلى
يدِ عراقيين)،
كما إنه ـ
وهذا هو
المهمّ ـ لن
يُسهمَ في
استيلاد
عقلية نقدية
كان غيابها
سبباً
رئيساً في
نشوء
الديكتاتورية
والعنف
والحنين إلى
العشائرية
واستبطان
الطائفيّة
في الوقت
الذي نصفها
بالبغيضة. الثقافة
العراقية
اليوم مصداق
لمقولة
غرامشي: "القديم
مات،
والجديد لا
يستطيع أن
يولد".
وولادة هذا
الجديد
العراقيّ
منوطة بظهور
المثقف
الجذريّ
الناقد الذي
لا يخشى من
الوضوح،
الوضوح الذي
كان لدينا (وربما
لم يزل؟)
اسماً آخر
للسطحية. الحريّة
ووسوسة
الشياطين: العُرف
(الاجتماعي،
الدينيّ أو
الثقافيّ)
يتوافر على
نواة صلبة
نابذة لا
يمكن المساس
بها دون أن
نتهيأ
لصافرات
إنذار تصمّ
أسماعنا،
وهذه
الصافرات
تأتي غالباً
على هيئة
زمجرات
وزئير سباعٍ
لها طابع
أخلاقيّ
محرِّض على
إسكات الخصم
وآمره
بالابتعاد. حين
كتبتُ قبل
ثلاثة
أعوامٍ
مقالَ (هل
العراق دولة
عربيّة؟)
مشككاً في
عروبة
العراق
السياسيّة (العروبة
بالفهم الذي
جاءتْ به
الأحزاب
القومية
كلّها والذي
يعدّ دولةً "عربيّة"
ما ، جزءاً من
كلٍّ سياسيّ
متخيَّل منذ
زمن
الرومانسية
السياسيّة
العروبيّة
التي جاءت
بتأثير من
النازيّة
والصهيونيّة)،
ولم أكن أقصد
العروبةَ
الثقافية
طبعاً (والتي
هي الفهم
الوحيد
المتاح
للعروبة إذا
تجاوزنا
الوهم الذي
أتتْ به
الأحزاب
العروبيّة)
بدليل قول
الرسول: "انما
العربيّة من
اللسان فمن
تكلّمَ
بالعربيّة
فهو عربيّ"
في حين أن
عبارة (عرب
اللسان) كانت
"شتيمة"
كثيراً ما
أطلقها صدام
حسين ضد
الحكم في
سوريا
وليبيا
مثلاً. حين كتبتُ المقال ذاك كان مقدّراً لي أن أسمع صافرات الإنذار التي جاءتْ على هيئة شعاراتٍ إسكاتية لا تفضي إلى معنى (كتب أحدهم: إنّ عروبة العراق ليست "قبوطاً" نلبسه متى شئنا ونخلعه متى شئنا)، وشاءتْ المصادفة أن يجري سيّد نصار لقاءً مع صدام حسين في آخر أيام حكمه، وحمل اللقاء هذا العنوان (عروبة العراق ليست ثوباً نخلعه متى شئنا)، لم أستغرب من تطابق مقولة صدام مع ردّ المثقف العر& |