............................................................

 

 

الشاعر قربان .. والشعر قصّاب

  كتابة عن قمر السراي


 

 حسن النواب

 

 

كان الشاعر يظن أن هواءه الأخير هو آخر الشعر .. وله في ذلك أكثر من مبرر مادام يرى هذا الركام الذي يتصاعد على هامة الشعر ويغطيها دون خجل أو ورع أو عيب يسمّى شعرا ؟؟ .. هكذا خمّن الشاعر  أن ذلك الهواء الذي دونـّه ذات غربة في البلاد وأكمل نصفه الآخر متسلقا جبال كردستان هو نفحة روحه الأخيرة .. ظل يؤمل نفسه اللائبة أن لا هواء أخير بعد الهواء الذي زفرته رئة عاطلة عن الحروب ومثقلة باليافطات السود التي  كانت تزدحم بها جدران بيوت البلاد وأزقتها .. ظل ذلك الهواء الأخير المتلاشي .. يطارد شعره كسوط لا فكاك منه إلا بالموت المباغت حتى ينهي حياته بهوائه الشعري الذي لن يتجدد به هواء  شعر آخر .. هكذا ظل الشاعر النحيل كنيزك نجمة  يردد في خلوته شهقات  الهواء المستحيل .. بيد أن نسمة مارقة هبت فجأة على رماد  منفضة قلبه وأججت كل جمر الشعر دفعة واحدة بترتيل ملاك ودون هواده .. لم يفطن الشاعر أحمد عبد الحسين لقربانه الذي أطاح بهوائه الأخير جانبا .. وتركه يتوسل نفحات الشعر منه .. فتلك واحدة من أضاحي الشعر النادرة لربة الشعر في السنوات الأخيرة .. تلك التي نحرها الشاعر دون أن يدرك ثمن دمها المسفوك على بيداء الشعر القاحلة منذ (عكازة رامبو ) التي لم يفطن لها الشعراء كثيرا كونها كانت تخطو بأرض مليئة بالوحل والسخام .. في أضحية الشاعر أحمد عبد الحسين وليس قربانه .. أكثر من وجيف للشعر النثري قبل أن يتدفق .. وأرق من دمعة فراشة على حرير شبكة صياد ..  هل رأيتم دمع فراشة من قبل .. دعوني الآن أفصح لكم عنها ..( قادمين إلى كربلاء ومعنا صلاةٌ وفيرةٌ وإلهٌ يتسمّع في محاريب قلوبنا كيف تجهشُ حيواناتُ الرملِ ودوابُّ اليقينِ،) نعم صارت الفراشة دابة في زمن يباح به الطل ويصبح حتى عسل النحل دما .. من بداية أضحيته يضعنا قمر السراي وهذه كنية طالما أرددها للشاعر في رسائلي .. يقول( كيف روّضْنا له الحصى بجباهنا الكسيرة وأنبتنا زهرات خشخاش بدموعنا، وأطلنا له الركوع والسجود.

الى كربلاء وكلٌّ معتصمٌ إلى كهفه، وكلٌّ أشعلَ في خاطره قبضةَ لهبٍ أسودَ يكاد يحرق عليه الثياب. )

ثم .. ما كدنا نسترد أنفاسنا حتى يبدأ يغزل خيط الشعر اللعين من جديد .. يغزله بأصبع ملاك لعين ونول قديس ... أهو يغزل من صوف الحرب .. كلا .. من .. برق الكلام .. وسحره .. ربما ... او يخدعنا أن هذا الترتيل لا يعود لبلابل الصباح .. وصياح البط البري .. ربما كان هذا يعود لإستغاثات غرقى بالطوفان الأخير .. أو هو بكل بساطة صيحة أم عراقية .. لا ... أشك بكل ذلك .. أترى  هي الجثث التي أيقظت الشاعر من هوائه الأخير .

ليضعنا في جو عاصف ومشحون ..تلك هي مهارته تكمن  في قدرته على وضع الجمر على راحات أ كفنا وكل وهمنا أن ما نتذوقه هو حليب الجمار وما سنشمه هو رائحة البرتقال والآس .. وهذا هو ما يحدث فعلا ..  ولكن أين ؟؟ في مجاهيل أرواحنا القصية .. لا في كشوفات حياتنا البائسة والرخية والتي يشفق عليها حتى حمار ضال ؟؟ دم الشاعر مازال يتدفق من قربانه ولكن أي كف تغرف منه المعنى .. ؟ لنحاول ذلك .. مع هذا المقطع .. أن نلم شتات دم قربانه في جعبة ذائقتنا الشعرية لو أفلحنا بذلك (.. دشاديشنا القصارُ ترفرف يائسةً، هي راياتُنا تخفقُ مع كلّ ريح، ضدَّ كلّ ريح إلى أن تندلعَ ساعةُ الأرض، ساعة ينضج تحت طعنات قلوبنا كوكبٌ أبيضُ مقدودٌ من حطام القلوب.

وإلا فمن نحنُ يابارئ البرايا إنْ لم نكنْ خنجرك المعقوفَ تطعنُ به ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، مذراتَك تنغرسُ في أعناق العصاة، وحزامَك الناسفَ على خصر كلّ ملاكٍ فقيرٍ؟

 من نحن سوى كسرةِ خبزٍ تديفها سمّاً ثم تلقمُها لأطفالٍ خاطئين؟

نحن يا قدّوسُ غربانُ أمرِك ونهيِك في نهارِ المدن، وما من بيتٍ لا تصطكُّ قناديلُه باسمك إلا جعلناه وأهلَه أحاديثَ. )

يا إلهي .. كيف سيكون ترتيلنا ساعة نكون قاب قوسين وأدنى منك .. وهذا الشاعر خطف منا كل ترتيل شعري إدخرناه يوم نلقاك .. لم يقشعر بدني الذي طبخته الحروب لأضحية شعرية مثل هذه منذ حربين .. ثمة تسطير ملائكي محفوف بروح طيبة ورقراقة وغير عنيفة تتملق الوجود .. ثمة تملق ذكي وباهر لخديعة الوجود بهذه الكلمات المرصوفة على حبل من مسد .. أعني على صراط المستقيم .. بمحاولة أكيدة للدخول الى الفردوس ..  ولي الحق أن أهمس مع أقصى روحي .. ماذنب الذي امضى عمره ساجدا .. وبغفلة عين يدخل شاعر قبله الى الجنة ؟؟ نعم أحمد عبد الحسين ضمن له  فسحة تراب طهور في غيب الروح وهو يقدم هذا القربان الشعري الطافح بكل أبجدية الشعر كيفما أراد المتلقي أن يغرف منها .. فهي المرة الأولى التي أرى نصا نثريا يتدفق مثل نهر في الجنة .. أسفي على نثري الذي ضاع على ضفاف نهران الحروب .. وحواف جثث الأصدقاء .. أقول أسفي .. لأن قمر السراي سبقنا الى الجنة .. وأية جنة .. تلك الجنة التي لم ندرك بعد إنها تحت أقدام الشعراء . ..

ربما يهمس البعض لصاحبه أن حسن النواب تعاطف كثيرا مع قربان الشاعر .. فأقول له علنا إكشف عما لديك لو كنت باشطا في الشعر .. وأردم جدول الشعر الذي حفرته  بجنوني وأنا أكري تراب هذا النص المزحوم من أوله حتى أخر حرف فيه برقة الجنة ..وبراعة الصياغة بل الأهم من كل ذلك الروح التي تمرح في نسيج هذا القربان .. تلك الروح التي حاولت خداعها أن تجلس لجنبي الآن هنيهة واحدة .. فلربما كأس النبيبذ يطيح بها مثلما أطاح بالكثير من  الشعراء ... يقول  هذا الفتى الشاعري ..

شهيقكم الفردوس،

زفيركم نعيم الأبد،

فتقدموا.

ولكن مهلا ليس كل شيء للشاعر .. هناك حصة إكتشفها عزرائيل .. فطريقه الى كربلاء يشبه طريق شاعر يوناني آخر .. ربما هو كفافي .. وثمة طريق آخر كتبه علاوي كاظم كشيش لكربلاء .. حينها تنبه الناقد الراحل البصري رحمه الشعر .. لتلك المحاكاة الشعرية بين طريقين .. ومع ذلك أقول أن أحمد عبد الحسين كان بارعا حد اللعنة في مستهل القصيدة .. لكن دفقان نهره سرعان ما هدأ .. وكنت أتمنى أن يظل بارعا حتى يفيض بشعره ويغرق كل الجالسين على ضفة الشعر وهم يتوسلون موجة واحدة تلطم أرواحهم التي تظل بلا معنى .. نعم ياقمر السراي .. ها أنت تقول أخيرا .. أن الذئاب التي اجتاحتنا أدخلتنا الجنّة نازفين؟

وها قد تزيّنتْ لنا حورُها،

شربنا ماءها الحميم،

ونبحتْ في وجوهنا كلابُ الفردوس.

 أقول لك لقد صدقت .. ومع ذلك .. حين تراني في الغيب .. ترى من سيروي الآخر نار الشعر .. هذا هو السؤال ؟ الذي يبقى بحاجة الى جنة أخرى .

30 – حزيران – ثورة العشرين


 

*قمر السراي : هو الشاعر أحمد عبد الحسين .

*عكازة رامبوا : قصيدة بكتاب للشاعر خزعل الماجدي .

*هذه الإنطباعات عن قصيدة قربان التي نشرت في موقع كتابات للشاعر أحمد عبد الحسين .

* الهواء الأخير : قصيدة مهمة للشاعر أحمد عبد الحسين .