|
|
............................................................ |
|
|
|
||
|
شعرٌ وديموقراطية عن الولادة العسيرة للشاعر ـ المواطن من
بين مقالات
الرثاء التي
كُتبت في
الراحل رعد
عبد القادر
كانت مقالة
الشاعر عباس
بيضون هي
الأقصر،
وأراها
الأبلغ
أيضاً.
قال بيضون
ان قصيدة رعد
ديمقراطية.
هو وصف غريب، لكنه
دقيق (سأتحدث
عن دقة الوصف
لاحقاً). غرابة
هذه الوصف لا
تتأتى فحسب
من عدم
اعتيادنا
مباشرة
الحديث عن
الشعر
بمصطلحات
السياسة،
إنما أيضاً
وبصورة أشدّ
من التنافر
الظاهر بين
الموصوف
والوصف، بين
مجلى
الفردانية
والأنوية
التي يمثلها
الشعر أوضحَ
تمثيل،
والمفهوم ذي
الحمولة
الجمعية
الذي تشتمل
عليه
الديمقراطية. شعرٌ
وديمقراطية:
ثنائيّ ندر
اجتماعهما
معاً في ما
يكتب
بالعربية،
ربما لأن
مقاربة
الشعر مع
مفهوم آخر في
عملية يراد
منها إضاءة
الشعر،
تستلزم
نحواً من
الوضوح
يحوزه هذا
المفهومُ
المعطوف على
الشعر. وهذا
الوضوح لا
يمكن تصوره
إلا آن يكون
المفهوم
ناجزاً، له
حظٌ كبير من
التداول،
داخلاً في
صلب الحياة
الثقافية
ومساهماً في
تكوينها،
وهي أوصاف لا
تنطبق على
الديمقراطية
هنا، لأنها
لم تمارَس
أبداً في
حياتنا،
ولأنها
خضعتْ وهي
لما تزلْ في
طورها
النظريّ
لدينا إلى
تقلبات
الشعار
السياسيّ
العربيّ
الذي أفرغها
من محتواها
مراراً دون
أن يصل بها
إلى معطىً
قابل
للتطبيق، ثم
ازدادتْ
التباساً مع
الوقائع
السياسية
المتلاحقة
التي جعلت
هذه الكلمة (الديمقراطية)
من ضمن
القاموس
الذي خُيّل
لبعضنا أنه
ذخيرةُ حربٍ
تشنها
أميركا
علينا. وهكذا
فان اللبس
المساوق
للديمقراطية
جعلها أبعد
ما يمكن عن أن
تكون إضاءة
لمفهوم آخر،
فكيف إذا
أريد لها أن
تكون إضاءة
لهذا
الملتبس
الوعر
المنفلت من
كل تعريف:
الشعر؟ سؤال
ـ مفتتح: كيف
تباشر
الذاتُ
صلتها
بالعالم؟
وبأيّ توسط
تتمّ هذه
الصلة؟ سؤال
هو المدخل
الذي أراه
كفيلاً بنزع
صفة
الاعتباط عن
هذه
الثنائية (شعر
ـ
ديموقراطية)
إلى حين
إجتلاء ما
بينهما من
تواشج قد لا
يبدو الآن
للعيان.
وبإثارة
السؤال نكون
قد دخلنا على
الموضوع من
أوسع موارده
وأكثرها
عمومية، ذلك
أن صلة
الكائن
الإنساني
بالعالم
مشتركٌ
تندرج تحته
سائر
فعالياته، بل
أن هذه الصلة
وطرق
تأديتها
ونوعية
وسائطها
التي تتم بها
يمكن أن تكون
الميسم
المميز
لطبيعة
الحضارات
الإنسانية. يحيلنا
السؤال
العموميّ
إلى معطى
ثابتٍ هو
الذي ميّز
على الدوام
هذا الكائن
المسمى
إنساناً عن
سائر
الكائنات
سواه، ألا
وهو خاصيّة
اجتراح
المعنى
وتداوله،
فالإنسان
كائنُ
المعنى، وهو
في عيشه
وكلامه
وفعله
ومشاعره لا
يكفّ عن
استحداث
معانٍ
وفهمها
وبسطها
وقبضها
والتنويع
عليها
وتأويلها
وإشاعتها،
تبنّيها
والدفاع
عنها، أو
رفضها
والوقوف
ضدّها.
وهو في سعيه
هذا يستخدم
المعنى الذي
ابتدعه
أداةً لفهم
العالم في
عين الوقت
الذي يجعل
منه غاية
جهده ومنتهى
كدحه، إنه
وسيلته لكنه
ينتهي إلى أن
يصبح هدفاً
ومبتغى، آية
ذلك ان
الصراعات
الكبرى التي
شهدها تأريخ
كوكبنا كانت
على الدوام
محكومة
بالرغبة في
حيازة
استحقاق
معنى ما،
ديني أو
دنيويّ، وما
مفهوم
الهويّة
الذي تجيشتْ
من أجله جيوش
وخيضت باسمه
حروب كبرى
إلا الاسم
الآخر لمعنى
ما رأت جماعة
إنسانية فيه
أنه الناظم
لوجودها
والباعث على
منحها
استحقاقاً
للعيش
بامتياز. العيش
بامتياز: ذلك
أوّل وأجلى
ما يرومه
الإنسان من
بثّ معانيه،
إذْ لا يكفي
العيش (مطلق
العيش)
لترسيخ
إنسانية
الإنسان
بوصفه
الكائن
الوحيد
المأخوذ
بإثبات
استحقاقه
لحياته
وتأكيد
جدارته
بصنعها كما
يرتأي هو،
ولهذا فهو
الكائن
الوحيد
الحرّ، شرط
أن لا تُفهم
الحرية هنا
بحدّها
السالب (أي
الانعتاق
والتخلّي)
فحسب، وإنما
الحرية
منظوراً
إليها
بشرطها
الموجَب
الذي يجعلها
استزادة،
نموّاً
وتراكماً.
ذاك أن تعريف
الحرية
بالسلب (أيْ
الانعتاق من
..) لهو شأنٌ
أدنى رتبةً
من أن يكون
حدّاً
للإنسان
مادام هذا
التعريف
يصدق على
الحريّة
التي توصف
بها عادة
مخلوقات
أخرى سواه،
إنها حريّة
بريّة تخطاها
الإنسان مذ
أنجز خطوته
العظمى التي
نقلته مما هو
طبيعيّ إلى
الثقافيّ،
من التخلّي
إلى
التجلّي، أو
قل من
استفراغ
وسعه
للسيطرة على
ما حوله إلى
توجيه
طاقاته
لفهمه
وتحويله
بالتالي إلى
موضوع أي إلى
مادة لإنشاء
معنى.
يكفي
للدلالة على
ما بين
مفهومي
الحرية هذين
من بون شاسع
استذكار
الفهم
العربيّ
القديم لها،
ذلك الذي
عبّر عنه
قولهم ( نحن
العرب
لُقاحٌ
أحرار لا
نَملِك ولا
نُملَك) أو
القول
المأثور (ألا
حرٌّ يَدَعُ
هذه
اللُماظَةَ
"أي الدنيا"
لأهلها؟)?
فالحرّ، في
هذا الفهم
البدئيّ هو
من لا
يَملِك، أي
المتخلي،
وهو الذي
يدعُ شيئاً
ما ويزهد فيه.
إن حريته ـ
والحال هذه ـ
متعديّة غير
لازمة لأنه (حرّ
من ..)، حريته
مناط تركه
وتخلّيه،
ذلك هو قيدها
الذي جعل
منها في
مأثورنا
القديم
والحديث على
السواء مجرد
عِتْقٍ
وانعتاق
فحسب، إلى
الحدّ الذي
صار فيه
المُلك
والحُكم (لا
المحكومية
والاسترقاق
فقط) قيداً
وطوقاً
مانعاً عن
التحرر، مما
حدا بالشريف
الرضيّ إلى
مخاطبة
الخليفة
العباسيّ
بقوله: رفقاً
أمير
المؤمنين
فإننا في
دوحة
العلياء لا
نتفرّقُ إلا
الخلافة
ميزتك فانني أنا
عاطل منها
وأنت مطوّقُ. وفي
عصرنا
العربيّ
الحديث
فُهمتْ
الحرية
أيضاً
بوصفها
انعتاقاً من
شِراك
الآخر، من
الاستعمار
أولاً ثم
المؤامرات
التي كانت
دائماً تحاك
ضدّنا دون
خلق الله
لسبب نجهله.
ولأن
الحياكة لم
تتوقف فلم
نشهد تبدلاً
في فهمنا
للحرية
وبالتالي لم
نتعرّف إلا
على حريّة
تشبه تلك
التي يطالب
بها الرقيق،
حرية
الانعتاق لا
الانتماء،
حرية لا
تمارَس بل
ينادى عليها
ويطالَب بها
ويهتف لها
الهاتفون،
وتتوسط
شعارين لم
يتحققا ولن
يتحققا :
الوحدة
والاشتراكية.
وستظل أوطان
كثيرة تطالب
بحريّة
الاختلاف
الوحشيّ هذه
مادام هنالك
نَوْلٌ
يدور،
وحائكو
مؤامرات
يشتغلون
عليه بلا
كلل، وقادة
أفذاذ
يتصدّون لهم
بحزم! الحريّة
الوحشية: لكنّ
نشوء الدولة
الحديثة كان
مؤذناً بجعل
هذا الفهم
البدويّ
للحرية مجرد
معطى (طبيعيّ)
على الفرد
تجاوزه إنْ
هو أراد
الوصول إلى
جدارته في
العيش
بامتياز، أي
العيش داخل
المتحد
المسمى
دولة؛ عليه
تخطي الفهم
الأول
للحرية إنْ
هو رغب
بالانخراط
في (فنّ العيش)،
هذا الذي
تدخل الحرية
في نسيجه
المكوّن له.
لا بل
ان هذا
الانصياع من
قبل الفرد
لصوت
المجموع
أصبح الفيصل
الذي يفرّق (الكائنَ
المتوحش) عن (الإنسان
المدنيّ) كما
عبر جان جاك
روسو عن ذلك
بقوله: (يعيش
المتوحش في
داخل نفسه،
أما الإنسان
المدنيّ
فيعيش
دائماً في
خارج نفسه،
لا يعيش
المدنيّ إلا
في داخل آراء
الآخرين). هكذا
انتهى مفهوم
بريّ رأى في
الحاكمية
والمحكومية
ضديّن
للحرية
وممارستها،
ليحلّ فهم
أعمق يرى أن
الحاكم
والمحكوم
يمارسان
معاً فعلاً
حراً في فن
العيش
المدنيّ
هذا، الأمر
الذي عُبّر
عنه بالقول
البليغ
التالي: (في
المدينة
وحدها يأمر
الرجالُ
الأحرارُ
الرجالَ
الأحرارَ). وهذا
المفهوم ـ
كما أصبح
واضحاً الآن
ـ ما كان له أن
يتم إلا في
ظلّ كشوفات
الفلسفة
السياسية
وبفضلها، بل
هو تجلّ
سياسيّ في
الأساس،
مادامت
السياسة ـ
وفقاً لأقدم
تعاريفها ـ
هي النشاط
الذي يؤول في
آخر الأمر
إلى سيطرة
الكليّ، أو
هي الجهد
الذي تتقوى
به الجملةُ
المشتملة
على أتباعٍ
ومتبوعين
هما الطرفان
المكونان
لمجتمع
الأحرار. ليست
الحرية إذاً
صنو التفرّد
ولا هي الوجه
الآخر
لّلاإنتماء
أو الخروج من
الحشد، فتلك
موارد قد
تكون نتاج
سؤال الفرد
في عزلته،
سؤاله عن
ماهيته في
المستوى
الفوريّ
الآنيّ الذي
يتيح له
التكلّم عن
ذاتٍ غفلٍ هي
في حقيقة
الأمر مجرد
استيهامٍ لا
وجود
مستقلاً له،
فالتوحّد مع
المصير
والمآل
الفرديّ
يظلّ على
الدوام
محكوماً
لشبكة
علاقات تجعل
من السؤال
محايثاً لا
مفارقاً،
وآلا أفضى
سؤال
الماهية إلى
اختلاف
وحشيّ،
وأصبح
الخروج ذا
طابع بريّ،
يغدو رحلة
أنكيدوية
معكوسة من
الثقافة إلى
التوحش،
نكوصاً من
الإنسان إلى
الكائن
الحيّ،
ونزوحاً من
التأهل
والأهلين
إلى مصاحبة
السِيْدِ
العملّس،
نظير ما
أراده
الشنفرى في
لاميته
الشهيرة: ولي
دونكم أهلون
سيدٌ عملّسٌ !
الخ إن
سؤال
الماهيّة
لدى الإنسان
لم يعد
لازماً
بعدُ، بل
أصبح لا
ينفكّ عن
التعدّي،
يتنافذ مع
شبكة علاقات
وماهيات
أخرى، بحيث
غدتْ شبكة
العلاقات
هذه هي أرضه،
استوطنها
سؤالُ الفرد
عن وجوده
الذي لم يعد
وجودَ ذاتٍ
وتنغلق
الجملة، بل
هو وجود ذاتٍ
في محيط
ذواتٍ تشترك
جميعها في
علاقة ما،
وهذه
العلاقة ـ في
النسخة
المدنية
التي ولدت مع
الدولة ـ هي
المواطنة. ليس
الأمر
إعلاناً
لنهاية
مفهوم
الإنسان ـ
الفرد، بل
وضعه في
شرطه، في
أفقه الذي لا
فكاك له عنه،
أي كونه
مواطناً. وإذاً
فالحريّة لا
يمكن فهمها
بمعزل عن
المواطنة،
وكلّ إنسانٍ
حرٍّ هو
بالضرورة
مواطن. لا
تصبح الحرية
ممكنة إلا
إذا
توطّنتْ،
إلا إذا وجدت
الفضاء الذي
تباشر فيه
عملها
وحراكها،
نموّاً أو
ضموراً، على
يد مواطنين. نصوص
العقيدة: بناء
على ما
تقدّم، ليست
السياسة
حقلاً
ثقافياً
يوازي أو
يجاور
الحقول
الثقافية
الأخرى،
إنها علاقة
كل فرد
بالعالم،
ولم يعد
السؤال
العربيّ
التقليديّ (
تتدخل في
السياسة أم
لا تتدخل؟)
صالحاً، بل
غدا السؤال
الآن (تحسن
التدخل أم
لا؟)،
فمادمنا لا
نني نبحث على
الدوام عن
الصلة التي
تؤسس لنا
استحقاقنا
وأهليتنا
لأن نكون
كائنات معنى
فنحن في
السياسة، بل
ان كل
دلالاتنا
التي
ننشئها، كل
الثورات
والانفلاتات
التي لها
طابع ثقافيّ
لا تلبث أن
تستقرّ
هادئة في
قرارة هذا
المعنى
المشترك
الذي ليس
لسواه
القدرة على
تجسير
الهوّة بيني
والعالم. ردم
المسافة بين
الذات
والخارج لا
يتم، كما
أشرنا، إلا
باستحداث
معنى ما،
وهذا الفعل
هو جوهر كل
نشاط إنساني (
ومنه
بالتأكيد
الأنشطة
الثقافية)،
لكننا ونحن
نباشر صناعة
المعنى لن
يُقيّض لنا
ذلك إلا
بوجود
الدالّ
الكليّ الذي
تتوحد فيه كل
الدلالات،
لن نستطيع
النصّ على
معنانا دون
افتراض انه
قابل
للتداول
خارجاً،
ودون أن تكون
له نحو صلة ما
بمنظومة
دلالات
يشترك فيها
العدد
الأغلب من
الأفراد،
فليس المعنى
المقال في
نصّ ما، هو
نتاج حريّة
الذات
المنعتقة من
رقّ
الآخرين،
وانما نتاج
ذات لها
حريّة
استشعار
المعاني
وبثها
وإشاعتها
وفقاً
لاستراتيجية
جماعية بل
مجتمعيّة. ذلك
ان حرية
الانعتاق
مآلها
الوصول بنا
إلى الضدّ
مما تدّعيه،
إلى منتهى
الانغلاق
على الذات،
والى جعلنا
نخوض في بحور
هوامات قد
تكون مؤهلة
لاستحداث
نصوص فوريّة
تريد تسجيل
ما أنا عليه
الآن
جوّانياً
بصرف النظر
عن أرضي التي
أقف عليها
وإغفال
السؤال عمّن
يتوجه إليه
هذا النصّ
الفوريّ
الذي يدّعي
اكتفاءه
بذاته. تلك
نصوص لا تنتج
المعاني (إذا
تذكرنا ان
المعنى هو
صلة، والصلة
تفترض
حدَّيْ
الذات
والعالم). إن
معظم النصوص
المكتوبة
تحت ضغط هاجس
حرية
العِتْق،
انتهت إلى أن
تكون نصوصاً
عقائدية
بامتياز، إذ
العقيدة ـ
على النقيض
من النصّ
القائل
بمعنى هو
علاقة
واتصال ـ ليست
سوى إعلانٍ
عن أحقيّة
الذات في قول
ما تراه دفعة
واحدة
وبخلاصات
مفهومية لا
ترى منبتها
في ما يحدث
وان كانت
تدعي القدرة
على تفسيره،
ولا تتوجه
إلى آخرين
بالمشاركة
في واقع، بل
هي دعوة
للانخراط في
حلم يقظة
عميم لا
ينتهي ولا
ينفد لأنه
يحوز على
فائض قوّة
غير معدة
للانكسار
لأنها
ببساطة غير
معدة
للاختبار،
هي فائض قوّة
الذات التي
لا تتخارج
ولا تتنافذ،
خذ مثلاً
الوثوقية
التي تتخلل
عقيدة
العروبيين
اليوم وتسم
نصوصهم "
نداءات صدام
حسين قبل
استسلامه،
أحاديث معن
بشور
وكتابات
باقر
الصرّاف
للمثال فقط" ?
إنها ذات
الثقة
اليقينية
التي
طالعتنا بها
نصوص ميشال
عفلق قبل نصف
قرن، لم
تُخدش إلى
الآن ولم
يتمكن الزمن
ولا الوقائع
من افتضاض
بكارتها ولم
يلحق صفاءها
شوبُ
كدورةٍ، لم
يحدث كلّ هذا
إلا لسبب
واحد بسيط هو
أن هذه
النصوص لم
تكن متوجهة
إلى أحد وان
قالتْ
بالأمة، بل
إنها نصوص لا
أحد بسبب هذا
التوجّه، أي
لأنها نصوص
الأمة
والجماهير
العريضة،
حيث الأمة (كما
في أقاويل
القوميين)
النقيض
التامّ
للوطن، وحيث
الجماهير
الضدّ
النوعيّ
للمواطن. إنّ
فكراً يكون
وطنه أمةً
ومواطنوه
جماهيرَ لا
يمكن أن
ينتهي أو
يلحق به
الفساد لأنه
ما من شيء
سيعتري
الأمة ولا
الجماهير
إلى أبد
الدهر، إذ لا
وجود لهما في
الحقيقة. النصّ
الشبيه
بالمعنى،
كنصوص
العقائد
هاته،
يستعير كل
آليات نصوص
المعنى لكنه
يوردها في
مورد آخر،
ليغدو كل شيء
مشتبها بها
ومشبّهاً،
فأمة
العربيّ
ليست وطناً
وان أشبهته،
والجماهير
أشباه
مواطنين في
شبه وطن، كما
ان قوّة
الكلمات
التي في
النصّ ذاته
تشبه قوّة
المعاني مع
فارق أساسيّ
وجوهريّ
يتمثل في
أنها لا
تُعنى بفتح
كوى على
المايحدث بل
تصل الذات
بالذات في
دورة أبدية،
لتظل عصية
على
الانهدام
إلى الأبد.
فمن الوارد
أن يمرّ ألف
عام آخر
وتبقى أمة
العربيّ
واحدة لا
تتجزأ، وتظل
رسالتها
خالدة، لأن
المعاني
وحدها هي
التي
يعترضها
التبدّل،
أما أقوال
الذات
الخالصة
والثبوتية
التي تنتج
أشباهاً فهي
مؤبدة إلى ما
لا نهاية. والآن...
كيف يمكن أن
يُكسر هذا
النطاق
الصلب لنصوص
الانعتاق من
العالم،
نصوص
الانغماس في
الذات التي
لا تريد رؤية
نفسها إلا
بعد استبعاد
الخارج؟
لن
يحدث هذا إلا
بالتوكيد
على أن كل
نصّ، كلّ قول
ممكن، إنما
يراد به
إنشاء معنى
يردم الهوّة
بيني وهذا
الخارج،
لئلا يكون
الأفق الذي
أحيا فيه
نقيضاً
للذات ينبغي
التحرر
والإنعتاق
منه، بل
مسافة يتم
التحرر فيها
لا منها،
وآنذاك لا
مناص من
ارتكاب
السياسيّ
والوقوع في
الترسيمة
الكليّة
التي تجعلني
مواطناً
وتجعل من
الخارج
وطناً، وطن
الذات التي
لا تكفّ عن
المعنى،
المعنى الذي
هو لاشيء إلا
هذه
العلاقة
الحرّة بيني
وبين آخرين ـ
مواطنين. النصوص
الملأى
بأشباه
المعاني هي
نصوص ذاتية
بامتياز،
على ان يُفهم
من الذاتية
هنا التحصّن
عن العالم،
الاحتجاب عن
الآخر،
والوقوف
ضداً للخارج.
انها نصوص
الذات
الحرّة
المنعتقة من
ربقة السوى،
وبالتالي
فهي منعتقة
أيضاً من
شبكة
دلالاته. ان
لها
علاقاتها
الداخلية
الخاصة بها
التي تتفاعل
فيها مفاهيم
تدور في
أبهاء النصّ.
جهد لفظي أو
كتابيّ لا
يُستدعى فيه
الخارج ولا
يتم
الانفتاح
عليه، يكفي
للمثقف
القومي
مثلاً أن
يشتغل على
عدّته
اللفظية
التقليدية (التي
هي قاموسه)
مستحضراً
الأمة
والجماهير
وقوى الصمود
ليكون قد
أنجز مهمته
على أكمل وجه
ومَنَحَنا
نصاً ذا منطق
متماسك
داخلياً،
لكنه لا
يستطيع
التستّر على
انحطاطه
وتهافته
أمام هذا
الامتحان: أن
تكون لشبكة
الدلالات
الواقعية
فيه حصةٌ ما
لكي يكون ذا
معنى، أن
يكون حظّه من
الذاتية قد
حضر فيه
الخارج ولو
باعتباره
أفقاً،
مساحةً
لاختبار
أهلية هذا
النصّ في
رفدِ منظومة
الدلالات
بمعنى. ثم،
أخيراً،
التساؤل عن
أهمية هذا
النصّ في
التأثير على
أنماط
التداول،
أيْ على هذه
الشراكة
المفهومية
التي تُخلَق
وفقاً لها
قيم مهيمنة
وتنزاح قيم
أخرى. سياسة
عدم التدخل
في السياسة: إرادة
المعنى جوهر
كلّ فعلّ
إنسانيّ
وغايته. لكنّ
المعنى لا
يتقوّم إلا
بالمجموع،
لأنه لا
ينفكّ عن صفة
التداول،
وعليه فان
إرادة
المعنى تجد
أشمل تجلٍّ
لها في
السياسة
التي يمكن أن
يقال عنها
انها الفضاء
الذي يدور في
أبهائه كل
فعل إنساني
ممكن، فنحن
لا نسكن
العالم إلا
سياسياً،
ومن المحال
تصوّر
قدرتنا على
ابتكار نمط
للعيش أو نمط
للتعبير إلا
حين يكون
داخلاً في
هذا الملاك
الذي يجعل من
عيشنا
وتعبيرنا
علامتين
تخصاننا في
خضم هذا
المحيط
الأكبر من
العلامات
والرموز.
ولهذا لا
يكفّ المرء
عن الاندهاش
من استمرار
الأعم
الأغلب من
المثقفين (الشعراء
والفنانين
خاصة) في
تبنّي خيار (عدم
التدخل) في
الشأن
السياسيّ،
إنْ لم يكن من
خلال تصريحهم
فبممارساتهم
ومواقفهم
التي تشي
بذلك. ربما
كان دافعهم
إلى هذا
الخيار
الفهم
التقليديّ
الذي لا يرى
في السياسة
إلا تحزباً
محضاً، إلا
تخندقاً في
هذا الطرف ضد
أطراف أخرى،
وبالتأكيد
فان تأريخ
ثقافتنا
العراقية له
مدخلية كبرى
في صوغ هذا
الفهم، فعلى
الدوام كانت
السياسة
تُفهم
بوصفها
ضدّاً لما هو
ثقافيّ، إذ
الثقافة
لدينا لم
تبارح
معناها
الأخص الذي
يجعلها مجرد
إنتاج عمل
إبداعي (أدبيّ
أو فنيّ)،
ولأن الفنّ
صنو الحرية
كما يقال
عادة، ولأن
الحرية في
نسختها
العربية (العراقية
تحديداً) هي
حرية انعتاق
وتخلِّ،
فكان لزاماً
على الشاعر
أو الفنان أن
يتخلّى
وينعتق من (الفخّ)
المسمى
سياسة،
ليظلّ
هائماً في
براري حريته
الشاسعة.
للشعر
العراقيّ
القسط
الأوفر من
تبعات هذا
الفهم ـ
الوهم، فمنذ
انطلاق
مسيرة
الحداثة
الشعرية
استحكمت
رؤيةٌ
غرائبية
اختزلت
تعاطي
الشاعر مع
السياسة إلى
سبيلين لا
ثالث لهما:
الانتماء أو
التخلّي،
التحزّب أو
ترك السياسة
جملة، حشر
البيانات
الحزبية في
القصيدة أو
دفع القصيدة
إلى ما لا عين
رأت ولا أذن
سمعت. وأشيعت
هذه الرؤية
حدّ انها
صارت كأنها
الأمر
الوحيد
المتاح
للشاعر. يكفي
أن ننعم
النظر في
أسماء أجيال
العراق
الشعرية (منذ
الروّاد
وصولاً إلى
السبعينيين)
لنرى انها
انقسمت إلى
متحزبين
جاءوا
بالحزب كله
إلى
قصيدتهم،
وأحرار
منعتقين
جرجروا
القصيدة الى
الضدّ
الكامل
لجوهر الفعل
الثقافيّ
بوصفه إنتاج
معنى،
إمعانا في
تأكيد
افتراقهم عن
الحشد (الذي
هو سياسيّ
بالضرورة). كان
هناك
البياتي
الذي قال عنه
السيّاب ان
قصائده
افتتاحيات
صحف (كم الوصف
دقيق): ما
كان في
قلوبكم ينبع
من أعماق شعوبنا
الراسخة
الأعراق وأرضنا
الطيبة
الخضراء فلتلعنوا
الظلام وصانعي
المأساة
والآلام ولتمسحوا
الدموع وتوقدوا
الشموع في
وحشة الطريق
للإنسان أو
قصيدته
الموجهة
للبعثيين
والملأى
بوحشية
المتحزبين
التقليدية: سنجعل
من جماجمهم
منافض
للسجائر !! تلك
القصيدة
التي يمكن أن
تنسبها الى (الشاعر)
علي حسن
المجيد دون
خشية من
تأنيب ضمير. أو
قصيدته
الأخرى التي
منها: شعبي
العظيمْ إني
وهبتك كل ما
في عالمي
الأرضيّ من
حبّ عميمْ حبي
لأطفالي وحبي
للعصافير
الصغيرة و
النجوم ْ! إنّ
شعراً كهذا
ليس للمخيلة
فيه من عمل
كما هو واضح
ولا يستند
على مرجعية
معرفية، بل
قد يكون
مرجعه
الوحيد هو ما
دار في آخر
اجتماع حزبي
حضره الشاعر
مثلاً، شأنه
شأن الشاعر
الذي عنون
مجموعة
شعرية له
بهذا
العنوان
اللافت (وردة
لعيون
البعثية
ليلى)، أو ذلك
الذي أهدى
قصيدته إلى (النبيّ
م ع)، وإذا
تبادر إلى
ذهنك ان (م ع)
هو مختصر اسم
الرسول (محمد
بن عبد الله)
فأنت مخطئ
طبعاً، إذ
انه اختصار
لاسم ميشيل
عفلق لا غير.
ولا يختلف عن
هؤلاء
كثيراً ذلك
الشاعر الذي
يتغنى
بالثلج الذي
كان يهمي على
ساحات
موسكو، لكنه
كان ثلجاً
أحمر أيام
السبعينات،
يا للسحر،
كان ذلك قبل
أن يتحول إلى
أبيض بقرار
من الرفيق
غورباتشوف. فنّ
الخداع
والأكاذيب: قصائد
دخلت على
السياسيّ من
باب
العقيدة،
حيث ثبت لدى
شعرائنا
والى اليوم
أن الحزب هو
اسم آخر لكل
فعل سياسيّ،
ولا يمكن
مباشرة
السياسة إلا
بالتحزب.
الغريب في
الأمر ان هذا
اليقين
الجاعل من
السياسة
تحزباً لا
غير، لم يكن
يقين
المتحزبين
فقط، لم يكن
الفهم الذي
تبناه
البياتي
وسعدي يوسف
وغزاي
الطائي
وطراد
الكبيسي
فحسب، بل كان
أيضاً وعلى
نفس الشدّة
من الوثوق،
يقينَ أولئك
الذين ادعوا
على الدوام
انهم من جنس
حرّ (لقاح لا
يملك ولا
يُملك)، أي
أولئك الذين
حجزتهم
حريتهم عن
الانخراط في
الشأن
السياسيّ،
حدّ أنهم
برروا
عداءهم
المتأصل لما
هو سياسيّ
بهذا اليقين
القاضي بعدم
رغبتهم في
التحزب.
ونقرأ الآن (الآن
بعد زوال
الخوف، لئلا
يقولنّ أحد
انه قولُ
تقيّة)
حواراً مع
الشاعر خزعل
الماجدي
يعيد فيه ذات
الأنشودة
التي تقال
دون تدبّر
والتي لا ترى
في خوض الشأن
السياسيّ
سوى الدخول
في حزب، ففي
جوابه على
سؤال هذا
نصّه: (كيف
تنظر إلى
الواقع
السياسي
الجديد في
العراق وما
هي مساهمتك
فيه؟) قال
الشاعر
الأستاذ
خزعل
الماجدي: (أنا
بطبيعتي
أكره العمل
السياسي
وأحب العمل
الثقافي،
لقد امتلأت
ثقافة
ووعياً
لدرجة أني لا
أتخيل نفسي
تابعاً
لبرنامج
سياسي مهما
كان هذا منذ
زمن بعيد فلم
يغوني أي حزب
سياسي لأنني
ببساطة لا
أحب السياسة
وأعتقد أنها
فن الخداع
والأكاذيب.) ثم
أضاف: (لم
يفتت روحي،
سابقاً، حزب
شمولي واحد
ولن تفتته
أحزاب
ديمقراطية
متعددة لأن
الروح
والشعر أرفع
من كل
الأحزاب
السياسية في
التاريخ كله
وليس في
العراق
الحديث فقط.) (ثم
إني أرى أن
الثقافة
والحضارة
أسبق من
السياسة
وأهم،
والمفروض أن
هدف الأحزاب
السياسية
ليس سياسياً
بل هو هدف
حضاري وعلى
أدوات
السياسة أن
تذوب في هذا
الهدف. لا
يمكنني قبول
دور هامشي
للثقافة
أمام
السياسة بل
أرى ضرورة أن
تتقدم
الثقافة على
السياسة وأن
تقودها
وتكون
مناراً لها. لقد حصنت نفسي ضد ألاعيب السياسة والتجارة ولم أكن ولن أكون تابعاً لأحد. وما يهمني في العراق حصراً حضا |