............................................................

 

 

حرب على الينابيع

عن الشعر العراقيّ في عقدين داميين


(اللغة أداة توصيل)... هذه الجملة الحاسمة تكررت لدى كثير من الشعراء العراقيين الجدد في مقالاتهم وبياناتهم منذ منتصف التسعينات (2)، اشهاراً لاختلافهم عمن سبقهم واعلاناً عن أنفسهم جيلاً جديداً مختلف الملامح والتوجهات.

الجملة يراد منها اختزال المنحى الذي بات مهيمناً على النصّ الشعريّ المكتوب داخل العراق اليوم.

وبطبيعة الحال فان نفوذ القول الجازم في هذه الجملة آتٍ من كونها تتجاوز النظر الى الكتابة الشعرية آن تحققها، وتقفز على النصّ في بعده التداوليّ لتصل مباشرة الى مادة الشعر ومعدنه: اللغة، مانحة اياها هذه الوظيفة الوحيدة: التوصيل.

ليس أجدر بقول الاختلاف والمغايرة من هذه الاستراتيجية التي تتخطى شؤون الكتابة وحيثياتها نافذة دفعة واحدة الى ينبوعها وأصلها الذي لا تتحقق دونه، لتمنحه تعريفاً آخر بل وظيفة أخرى قاطعة الطريق على أدنى التقاء مع السابق ومهيمنة على اللاحق. فتغدو الجملة وصفاً لشعر من أطلقها، لكنْ في مقابل وصف مضمر لما سبقه من شعر، ووعد ضمني بما سياتي.

ان حماسة البيانات الشعرية التي تتوارثها أجيال العراق منذ الستينات ليست معنية بالانصات الى ما هو متحقق فعلاً على صعيد الأداء الشعري، فهي لا تجعل من النصّ الناجز مناط اجتراح قولها عن الشعر، بل تعمد ـ بدلاً من ذلك ـ الى نقل ميدان الاحتراب الى الأصول، الى تخوم يغدو معها التمييز بين جيل وجيل بيّناً لا لبس فيه، والاختلاف بين نصّين ليس في (مورد) الكلام بل في (مصدره). وإذاك لا يغدو للحديث عن الشعر (بماهو مدوّنات) كثير أهمية مادمنا في معرض اعادة كتابة حقيقة الشعر ذاته.

إعادة تعريف الشعر من رأسٍ بامتلاك الأصول واعادة تسميتها وترتيب وظائفها، تلك هي مادة البيان الشعريّ الوحيد المتنقلّ بين أيدي الورثة سبعينيين فثمانينيين فتسعينيين. وكلما أُشهرَ البيان ونودي به على رؤوس الأشهاد كان الحماس ذاته، الحماس غير المفضي الا الى توحيد الجموع بلسان واحد، نظير ما نشهد في مظاهرة سياسية تكون أرواح القوم ودماؤهم فيها فداءً لواحد أحد لا ندّ له ولا شريك.

فالبيان الشعريّ كالبيان الانقلابيّ رقم واحد، تتأتى أهميته من لدن الجنبة الزمنية التي هي جوهره، فهو نقض لزمن سابق، إشهار لزمن حاضر، ووعد بالقادم. له وظيفة رمزية تتلخص في تجميع الكلّ على أمر سواء والاندغام في شرعة جديدة تجبّ ما قبلها وتبشّر بما يليها.

 (البيان) كاشف عن (التباين) إذاً؛ لا التباين بين نصّين أو طريقتي أداء شعريتين، بل بين ثقافتين بالأحرى، بين حياتين أو قل بين فضاءين متمايزين تتحرك فيهما نصوص كل جيل على حدة، فكأنه السياج الذي يرسم أراضي كلّ جيل ويحدد أملاك كل فريق.

وحين يصدّر شعراء بيانهم بجملة تشعل الحرب مع أسلافهم على الينابيع، رامية الى تعريف اللغة ووظيفتها من جديد، فانهم يختارون أقصر الطرق لقول القطيعة، حتى اذا الأصول اختلفت والمصادر تمايزت، كانت شرعية اسم الجيل أقدر على الثبات دون التفات الى ما يقوله نتاج الجيل نفسه. انه استباق للنقد وقطع طريق على الناقد.

وبالفعل فان ولادة الأجيال الشعرية العراقية لم يشهدها الناقد ولم يصادق عليها، لأن الجيل يعلن عن ولادته دائماً في المنطقة التي لا يطالها عمل ناقد الشعر، أعني في المنطقة التي تقع خارج النصوص، في ما تجود به الواقعة السياسية والثقافية من جديدٍ هو ليس بالضرورة مفضياً الى جديدِ قول،  بل قد يكون خالقاً لجديدِ حياة أو تصورات عن الأدب بعامة.

 ألهذا يولد لنا جيل شعريّ كل عشر سنوات؟

ألهذا أصبح الأمر تقليداً يمارسه الشعراء بتلقائية ويتداوله النقد دون تدبّر؟

 

 

حاضر مهدور وواقعة مغيّبة:

اذا كان للواقعة السياسية مدخل في استيلاد جيل ما، فلأن هذه الواقعة تخلق (المزاج) الموحّد الذي يلتئم تحته أفراد الجيل. واختياري لكلمة مزاج ذو مغزى، أردت من خلالها الاشارة الى ان تأثير الوقائع السياسية ـ الاجتماعية ( كالحربين والحصار مثلاً)  على شعراء متقاربين سناً ومكاناً، هو في النهاية تأثير يحوي ـ إضافة الى الرغبة في التكتّل والتصالب بازاء فداحة ما يقع ـ صنوفاً من الوهم تسهم في تكوين قناعات هؤلاء وتلوين ارائهم.

على سبيل المثال فان الجيل التسعيني ( وهو آخر النسخ المطروحة الآن لأجيال العراق الشعرية ) تكاد تكتنف رؤى أفراده فكرة مفادها المواءمة بين ممارسات السلطة السياسية للنظام البائد وبين طريقة الأداء الشعريّ التي كانت مهيمنة على نصوص الشعراء ( من سبعينيين وثمانينيين) فترة الثمانينات.

كثير من التسعينيين يسعى الى تبيان ان هذه النصوص التي تغترف من القاموس صرفاً وببذخ لا يطمح الى انشاء قول متماسك، كانت محلّ رضى إعلام السلطة لهذا السبب بالذات، أي لأنها نصوص لا تكاد تبين.

وهذه المواءمة ـ إضافة الى ما فيها من شمولية وتعميم ـ  تغفل حقيقة ان الأداء الشعري ذاك كان نتاج فضاء ثقافيّ غطى المرحلة برمتها، فضاء خلقه استغراق الشعراء بقراءة نصوص مفكري الاختلاف (التوسير وبيانه عما لايرى في حقل الرؤية بالذات، فوكو وكشفه عن ان الخطاب يحمل في أحشائه ضروب الرقابة واجراءات المنع، دولوز الناصّ على ان المعنى متعدد المراكز متغير الانزياحات، ثم دريدا الجاعل من النصّ تشظية للهوية لا جامعاً لها).

 كانت أفكار هؤلاء والشروحات العربية لها؛ بالأخص تلك التي كان يقدمها مطاع صفدي في مجلته ( الفكر العربي المعاصر) ـ وبعض هاته الشروحات مما يزيد النصّ الاصليّ تعمية ـ هي المحرض الأكبر على هيمنة قيم شعرية بعينها وجعلها مساوقة للـ(جديد) و(الأحدث).

التقى هذا النتاج المعرفيّ ـ الذي استقبله الشعراء مُجْمَلاً وبشكل غائم ـ مع الذخيرة التراثية التي توافر عليها أغلبهم بهذا الشكل أو ذاك، كالانشغال بالتصوّف بعد أن فتح أدونيس الباب مشرعاً باتجاه استثمار نصوص المتصوفة: تجد ذلك في نصوص سلام كاظم <ربيع السماء القلقة> تحديداً، ورعد عبد القادر في معظم نصوصه، أو كانهمام بعضهم في الاستفادة من كتب السحر والأوفاق والزايرجات، كما عند خزعل الماجدي.

خلاصة القول ان هذين الينبوعين اللذين استقى منهما النصّ السبعيني المكتوب في الثمانينات، وأعني بهما الحمولة المعرفية لمفكري (ما بعد البنيوية) وهي غالباً ما وصلت محرّفة أو مبتورة عن سياقاتها، والخزين التراثي ( السحري ـ الصوفيّ ـ الأسطوري) أسهم اجتماعهما معاً في تكوين (مزاج) وحساسية شعريتين متعاليتين على الحدث الدامي الذي كان يكتنف العراق.

أما التراث فقد انتقى منه الشعراء مايوائم مشروعهم القاضي بتتبّع الدهشة غير المفضية الا الى نفسها: دهشة التعازيم السحرية أو دهشة الكشف الصوفيّ مثلاً. فمعلوم ان نصّ السحر، كما نصّ الكشف، لا يجد اكتماله في ذاته بل في الطقس المصاحب لماهو سحريّ أو للتجربة الذوقية التي يحياها العرفانيّ. أو لنقل ان نصوصاً كهذه (نصوص السحر والكشف) لا يمكن ترحيلها الا ومعها ملحقاتها وهوامشها التي تحفّ بها على الدوام، اذ من العسير القول ان شطحات البسطاميّ، على سبيل المثال، قادرة على انتاج مغزى ( شعري أو معرفيّ ) دون وضع هذه الشطحات في سياقها الخاص المفارق للسياقات العقلية والنقلية التي انتجت نصوص التراث الاسلامي الأخرى.

وحين يعمد شاعر ما الى ترسّم لغة ذات مخارج طقسية فانه يروم الاستعاضة عن الدلالة على الواقعة؛ بالطقس، ويهدر الاشارة الى الحاضر بأداء لا يأتي الا مشوباً بزمنه الغفل. وفي كل ذلك ينسى الشاعر ان دهشته إزاء نصّ التصوف تتأتى من ان هذا النصّ ـ لدى الكبار كالنفريّ وابن عربيّ والحلاج ـ نتاج انكبابهم على الوجود ومساءلتهم إياه، وان الدهشة التي يروم شاعرنا بثها في مطاوي نصّه انما تستحضر لحظة الصوفيّ، لحظة مغرقة في القدم على حساب الحاضر.

لغة منفلتة ومفتوحة على شتى التآويل يتفتت فيها المعنى ويضيع : تلك آثار هيمنة طروحات مفكري الاختلاف على الأعم الأغلب من النصوص المكتوبة في العقد الثمانيني، الأمر الذي عبر عنه سلام كاظم مرة حين شبّه النصّ السبعينيّ بالبرج الذي يتفتت متماسكاً.

وفضاء طقوسي يرحّل الحاضر الى مجاهل زمنية غفلٍ، الى لحظة محايدة لا تحايث فعلاً ولا واقعة: تلك هي التركة التي أفادها الشعراء من نصوص التراث.

وبين هذا وذاك كانت الوقائع تمرّ مثقلة بالدم والدموع لا (يعكسها) أحد من الشعراء، سوى بعض شعراء رسميين ببدلات زيتونية أدمنوا تزيين الفاجعة.

 

 

ينابيع النصّ الثمانينيّ:

سنسمي (النصّ الثمانيني): ذلك النصّ الذي كُتب فترة الثمانينيات متوافراً على هذه الطريقة الكتابية التي تضع القول (المعنى المتخارج المفضي الى دلالة) في أفق انتظار دائم. مع تأكيدي ان التسمية تعوزها الدقة لسببين:

 الأول ان روّاد هذا النصّ وأبرز من كتبه هم من السبعينيين الذين أنجزوا مشاريعهم سنيّ الثمانينات وبالتزامن مع ظهور الجيل الثمانيني.

 والثاني ان هذه الطريقة المشار اليها لا تصدق ـ بالتأكيد ـ على كلّ الأسماء الشعرية التي كتبت في الفترة إياها.

لكن ما يسوّغ لي إطلاق التسمية هو ان هذا الأداء الشعريّ المعمّى كان سائداً، بل محتفى بشعرائه بوصفهم طليعة الحداثة الشعرية العراقية.

كتب خزعل الماجدي مرة معرفاً الشعر انه (الكلام الغامض الجميل)، وكتب زاهر الجيزاني في عمود صحفي له (ان الشعر فعل معرفيّ بالأساس، وان الفطرة اسم آخر للجهل). هاتان العبارتان تختصران نشاطاً دؤوباً باشره السبعينيون لارتكاب نصوص تستند على هاتين الركيزتين :

 كلام غامض جميل: أي الكلام الطقسي.

 وأساس معرفيّ: يجد تعضيداً له في منتج مفكري الاختلاف الذين جعلوا من الخطاب، أياً يكنْ، نسيجاً من الاحالات المتنافرة، وتعاقباً لفظياً لا يني ينسخ نفسه ويتبدل كل حين،  وحقل أقنعة للحجب والإخفاء، لا للبوح والإنكشاف.

مع هاتين الركيزتين كان لابدّ للغة الشعرية ان يعتريها تبدل يمسّ وظيفتها، لتتمّ المزاوجة بين شرطَيْ الغموض والمعرفة. فاللغة في أقصى انزياحاتها ومنتهى نكرانها لبعدها الدلاليّ توافرت على كثير مما يميّز كلام الطقس (السحر أو التصوف) الذي يتأتى غموضه من تستره على تجربة معاشة يظلّ الكلام أدنى رتبة منها، وأجدر أن يكون تحريفاً لها لا توصيفاً لها. آية ذلك ما تجده مبثوثاً في كتب العرفانيين من كلام دالّ على أن الحرف تحريف، وانه يعجز أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عن المتكلم.

وكان لهذا التيه اللغويّ ما يقابله ويوافقه في الجنبة المعرفية الناصّة على ان اللغة هي التي تتكلم الإنسان في الوقت الذي يظن انه يتكلمها، فهي فاعلة بقدر ما نحن فاعلون، ونحن أدواتها في ذات الآن الذي نستخدمها، نحن أسيادها ظاهراً لكننا عبيدها في الحقيقة.

بشيوع التنظيرات المرتكزة على المزاوجة بين هاتين الرؤيتين لم تعد اللغة الشعرية أداة ، بل تلبّسها نحو من الاحيائية الغامضة، ولم تعد وظيفتها التوصيل بل ان قدرها هو ان لا تصل بنا الى مستقر.

التيه اللغويّ هذا مرحّل من كتب مفكري الاختلاف بلا شكّ، حيث تجد عبارات كهذه:

(حين يبلغ الانسان قمة كل عبارة ممكنة لا يصل الى قلبه بل الى الى الحافة التي تحدّه في المنطقة التي لا يجول فيها الا الموت ـ فوكو ـ)

ان عدم الوصول كان فحوى ما تريد النصوص الثمانينية قوله:

يسير قداس المكائد دون أن يصل ـ عبد الزهرة زكي

في قصيدة لكريم جواد تتكرر جملة (لا أصل) أو ( لا تصل) مرات عديدة.

 وفي (الأب يتكلم) لأحمد عبد الحسين ترد العبارة ذاتها أكثر من مرة.

وعدم الوصول هذا يتم قوله باللعثمة مرة:

أنا الذين هو في رسائل تامّة الأخطاء ـ عنوان قصيدة لسلام كاظم

 وبالتباس القصد تارة:

 من أجل توضيح التباس القصد عنوان مجموعة شعرية لزاهر الجيزاني

 بالخطأ بوصفه وظيفة لغوية:

اللغة في ذروتها : في ذروة أخطائها ـ زاهر الجيزاني

فقه اللغة: خلاصة أخطائي ـ عنوان قصيدة أخرى لسلام كاظم

وبخيانة اللغة للقول:

تهيأ لي أن اللغة مصممة للخديعة ـ زاهر الجيزاني

بالكلام الذي يأكل بعضه بعضاً:

(في أغنية الاله مردوخ يورد الشاعر حشداً من الأقاويل يبتدئ كلّ منها بكلمة (أقول) ثم يختتمها جميعاً بجملة ( هل قلتُ شيئاً؟))

وفي نصّ لشاعر آخر ترد العبارات التالية:

 ان تكلمت فأنا لا أفعل شيئاً سوى أن أحرك الهواء، أعذّب الهواء. ومرة جربت ان اقول كلاماً عن المستقبل فتساقطت من شفتيّ المرايا.

صفوة القول: ان قدراً كبيراً من عدم الثقة بقدرة اللغة على الايصال، كان يتسيّد نصوص تلك الحقبة؛ يمازجه تأكيد كبير على ان اللغة وحدها بغموضها (الجميل) ومعرفيتها (المتشظية الدلالة) هي مناط تحقّق ما هو شعريّ، رهانه الأول والأخير، ساحة اشتغال الشاعر وميدان فتوحاته. الأمر الذي جعل النصّ الثمانيني بلاداً مغلقة، بيتاً مكتفياً بذاته لا يتنافذ مع كل ما هو خارجه.

يكفي للدلالة على ذلك استذكار حيرة الناقد إزاء نصوص كهذه، تلك الحيرة التي عبّر عنها الأستاذ فاضل ثامر في خاتمة كتابه (الصوت الآخر) وهو يتصدى لنصّ الشاعر وسام هاشم؛ أو استسلام ياسين النصير أمام نصّ للشاعر عبد الحميد الصائح، في مقالة نشرت في عدد اسفار الأخير لسنة 1989.

 

 

من أجل هدم الجسور:

لقد كان لطروحات الشاعر خزعل الماجديّ وتنظيراته شديدة الحماسة أثر بالغ في فتح شهية شعراء آخرين ـ من الجيل اللاحق ـ على ترّسم ذات اللغة التنظيرية التي تدفع باللغة والشعر الى برزخ لا اسم له ولا رسم، متوسلة في سبيل ذلك ركوب خطأ منهجي فادح يتمثل في المزاوجة قسراً بين عمل الشاعر ـ المنظّر، وعمل الباحث السيمانطيقي، مسبغة على عمل الأول كلّ لوازم البحث التي تميّز الثاني.

بداهةً، يفترِض التنظيرُ الشعري التزاماً من لدن (المنظّر) بالمقاربات التي تجعل تنظيره إمكاناً ذا مصاديق شعرية قابلة للتحقق، أي انه لا مندوحة للـ(منظّر) من اللجوء الى مقاربة (هرمونطيقية) تجعله يتكلم عن النصّ الشعري بوصفه واقعة تتجاوز ظاهرة الكلام الى مجالات ليست لسانية، حيث ان مقاربة كهذه ليست مجرد تشخيص لطريقة كتابية ما أو توصيف لنمط من أنماط الأداء الشعريّ، بل هي حدّ للشعر (بالألف واللام) وشرط له. فمادام الشعر لا يكفّ عن الترميز يكون على الدوام حاملاً للثغرات التي تجعله مطلّاً على الخارج، اذ الرمز في أجلى تعاريفه وأبسطها هو تعبير باللغة عن واقع غير لغويّ.

 يهدر الشاعر ـ المنظّر هذه البديهة المنهجية فتتلبسه روح الباحث السميائيّ وتملي عليه التخلي عن وظيفته، واستعارة وظيفة الباحث المشتغل داخل كهف النصّ، حيث الكتابة لديه عالم مكتفٍ بذاته محكوم بروابط دلالية خاصة وبتفاسير مستغلقة تتبادلها علامات.

لنقرأ الآن جملاً من التنظير الذي اجترحه خزعل الماجديّ وشايعه عليه جمع من الشعراء اللاحقين. كتب خزعل:

(إن أحد أهم الأمور التي تباعد بين النثر والشعر هو تحرر الشعر من المنطق وتسلسل الأفكار ومن هنا يجب أن نباعد بين الشعر والنثر وأن نزيد من الهوة بينهما فنزيد من كسر المنطق في الشعر ونزيد من عدم انتظام الأفكار أو إرباكها كلياً لأن مثل هذه الهوّة العميقة ستجعل الشعر شعراً والنثر نثراً وإن هذا سيتحقق بشكل كبير لو أننا خلقنا أعنف التمزقات والانقسامات العشوائية في التراكيب التعبيرية اللغوية.

إن مفهوم الاتصال يرتبط بالنثر وينكسر بالشعر.

وإن الشعر شفرة لا يفهمها القارئ ولا الشاعر.

القارئ يصطدم بكلام غريب ولكنه جميل والشاعر يترصد الرموز الكونية العميقة دون أن يفهمها ويتحسب إلى أن القارئ قد يتوقع ما يكتبه فيساهم في إبعاد المسافة بينه وبين القارئ أي أنه يسعى لتدمير أية منطقة للحوار بينه وبين القارئ لأن هذا الحوار أعني الفهم سيفسد كتمانية النصّ وسرية دلالته.

أما الشعر الميتاجمالي فهو الذي ينقل مركز اهتمامه إلى الإشارة أو الشفرة أو العلامة فهو لا يعني ولا يدلّ)(3).. الخ.

للشعر لدى خزعل إذاً شرط وحدّ يتلخصان في أن الشعر لا يعني ولا يدلّ، فهو غير معدّ للفهم من قبل الشاعر والقارئ على السواء، حيث المهمّة الموكلة بالشاعر تدمير منطقة الحوار بينه وبين القارئ....

إن مثل هذه التقريرات الواثقة لايمكن لها أن تكون منبعثة من ذلك الحيّز الذي يقف فيه منظّر الشعر، انها بالأحرى أشبه بالملفوظات التي صادفناها كثيراً لدى أرباب البحث السيميائيّ الداخلين على النصوص باعتبارها بنى منغلقة افتراضاً. ربما من هنا حماسة هذه التقريرات ووثوقيتها وصوتها العالي، إنها يقينية لأنها تخلق مساحة ذات سيولة منهجية تستعير من البحث السيميائيّ استغلاق مواضيعه، فيما توهمنا انها بصدد البحث في فتح آفاق ممكنة للكتابة. وهكذا فان كلّ هذه العبارات ـ وسواها كثير ـ مما كتبه خزعل الماجديّ ليست بذات قضية ـ بالمعنى الذي عرّف به فينغشتاين القضية ـ. ان هذه العبارات لهي كلام (مستحيل) يلملم عدّةَ بحث ثم يوردها في غير موردها فينشئ مجالاً خصباً للهذر ورميم الكلام؛ ثم ليتضح في آخر الأمر ان مادة البحث وموضوعه وأدواته تستند كلها على ما لا يمكن التعبير عنه، على ما ليس معداً للفرض ولا للامكان. وما لا يمكن التعبير عنه ـ حسب فينغشتاين أيضاً ـ ينبغي أن يُصمت عنه.

إنتهى الشعر عند خزعل الماجديّ الى مادة معدّة للاحتراب مع الفهم، وبالتالي مع القارئ والقراءة.

فاذا كان زاهر الجيزاني صرّح يوماً ان ( نصوصنا لا يمكن أن يقرأها إلا فيلسوف) فان خزعل الماجديّ حرم الفيلسوف ذاته تلك الهبة التي منحها إياه زاهر، ليظلّ النصّ الشعريّ الثمانينيّ هائماً غفلاً صمداً بلا قارئ ولا قراءة. انه نصّ يُكتب ـ اذ يُكتب ـ وهو غريب على شاعره ومستغلق، ولا يصل ـ حتى حين وصوله ـ الى قارئه. بلاد مسحورة لا يمكن الدخول اليها ولا الخروج ولا امنها لاشارة اليها، بلاد منعزلة وحيدة.

 

 

زمن الملاحم الشعرية:

ان تكن هذه التنظيرات أفرغت كلّ سوء الفهم الناتج من القراءة المتخبطة للفكر الحديث والانبهار بالكلام التراثيّ المعمّى، فانها أنتجت نصوصاً شعرية كُتبت على ضوء سراج تنظيرات كهذه، فكانت بحقّ نصوص خواء، مدونات عماء تفرغ القاموس كله دفعة واحدة دون أن تجد نفسها مضطرة لقول شيء ذي مغزى، نصوص تتوافر على قدر عظيم من شهوة الكلام والتنويع على سياقات قولية متنافرة لكن دون أدنى رغبة بالبوح، الافضاء، الدلالة، أوالتعبير.

وكان من الطبيعيّ أن يكون لخزعل الماجديّ اليد الطولى في اجتراح نصوص كهذه، فنشر مطولته (خزائيل) التي قال عنها انها مؤلفة من 12 كتاباً، ثم نصّه (انك بشع وغير كونيّ) وسواهما.

 وتوالت نصوص القوم من مريديه الذين اجتهدوا في استحداث كتابة لا يحدّث الداخلُ اليها نفسه بالظفر بقول ولا الوقوع على معنى. نشير هنا الى بعض نصوص وسام هاشم، سلام سرحان، منصور عبد الناصر، وبعض نصوص حكمت الحاج.. للمثال لا الحصر. ( ومن الطريف والموحي ان نصّاً لسلام سرحان(4) ترد فيه عبارة (القوّة القووية) عَرَضاً وبدون أن تنشئ معنى ما كالعادة، فاذا عرفنا ان هذه العبارة (القوة القووية) هي مما نحته مطاع صفدي في مقالاته التي كان يفتتح بها مجلته الفكر العربي المعاصر، يصبح للأمر دلالته البيّنة، برهاناً على ما أشرنا اليه من ان الاندفاعة الى الأقصى التي حكمت الكتابة الشعرية آنذاك كانت في كثير من جوانبها مستمدة من سوء فهم أومن خفة كبيرة في التعاطي مع القراءات).

طريقة الأداء الشعري هاته كانت الأشدّ وضوحاً والأكثر بروزاً منذ منتصف الثمانينات متميزة بطول النصوص، وهي سمة تمنح الشاعر فرصة اللعب الحرّ وتجريب فنون القول غير المفضي، واستثمار شهوة الكلام الناتجة عن السيولة التي تحكم رؤيته للشعر، وظيفته وغايته. كأنما الشاعر طامح في قرارة ذاته الى التوكيد على شغله الجديد بهذه الطريقة: وفرة كلام وغياب معنى، فلا يتضح هدر المعنى الا حال الاستزادة في الكلام، اذ لا يمكن للشاعر أن يبدو وفياً لمهمة استقصاء الدلالات ومن ثم اقصائها حين ينشئ نصّاً قصيراً، فالنصّ القصير المقتصد يتطلب وفرة ترميزٍ وتكثيفاً، وبالتالي يفتح منافذ  تدفع بالقارئ الى ركوب مغامرة التأويل مع الشاعر، وهو ما كان يهرب منه الشعراء ويتحاشونه مادام وضع القصيدة في أفق التفسير والفهم والتأويل من شأنه أن يبطل سحر اللغة وقدسيتها، بل من شأنه هتك سرّها، وجعل القصيدة محصلة لنتائج قراءات مما يعني ارتباطها بلحظة تقع خارج ما هو مدوّن، وهي هنا لحظة القارئ.

 

 

لا اشتراك ولا تواصل:

لا اشتراك ولا تواصل. فحاجة الكلام، الكلام الأدبي تحديداً، الى متلقٍّ؛ الحاجة التي أملت على هيدغر تعريف الكتابة بانها استدعاء للقراءة بالضرورة، تلك الحاجة تختفي وتتلاشى نهائياً هنا أمام الكلمات التي هربت من القاموس واصطفّت في هذه النصوص على هذه الشاكلة، كيفما اتفق بلا سبب أو داع.

فلنسأل: م