|
|
............................................................ |
|
|
|
||
|
مجرد
استذكار
لعراقيّ
عظيم: عن المتصوّف هادي العلوي أسمّي مثقفاً ذلك القادر لا على الاستزادة من المعارف، بل على نقد الأصول والتشكيك بالجذور ومساءلة الهوية. لأن مفهوم الثقافة، كما أراه أنا، إنما هو أقرب إلى الجذر العربي الذي يفترض التشذيب ( ثقف الرمح اي شذّبه )، منه الى الجذر اللاتيني للكلمة الذي يشير الى النماء والوفرة والإستزادة. أي اني أرى أن الصفة الأساس التي ينبغي توافرها في المثقف هي التخلي لا التحلي بلغة أهل العرفان. أجد لفهمي هذا سنداً في عدة أمور: الأول: حاجتنا الأبدية لذلك النوع من المثقفين الجذريين الذين عدمنا أمثلتهم طوال تأريخنا المديد، اللهم الا اذا استثنينا بعضاً من العرفاء الشوامخ الأفذاذ والذين يريد الفكر العربي الحديث اقصاءهم من خانة العقل العربي، ما دفع بمحمد عابد الجابري الى تسمية نتاجهم بالعقل المستقيل. الثاني: كانت الثقافة العربية على الدوام مكتنفَة بخوف من مساءلة الذات ونقدها، الى الحدّ الذي أصبح سؤال الذات مساوقاً لهدرها، وهو ما أفضى بها الى جمود صنمي في كافة المناحي سياسياً وفكرياً واجتماعياً، ولهذا فان المثقف ناقد الجذور هو ما تحتاجه هذه الثقافة ليكتب لها حياة. الثالث: أغلب مثقفينا الذين جاد بهم القرن العشرون هم مؤدلجون، خرجوا الى الثقافة والتثقيف من بوابة الحزب أو الطائفة، وهو ما لا يسمح لهم بتوسيع رقعة عملهم النقدي، بل ان تخوم هذه الرقعة كانت محددة على الدوام بفرمانات أحزابهم وطوائفهم. عليه، ليست مجازفة مني القول بأننا، ومن بين جمع المشتغلين بالثقافة، لا نجد من يستحق اسم المثقف أكثر من الأستاذ هادي العلوي، فهو أولاً صاحب مشروع فكري بيّن المعالم واضح الأسس. ومشروعه من السعة والشمول بحيث يمكن عدّه درساً يباشر الحاضر من خلال استنطاق الماضي وجرّه الى دائرة الأسئلة الواعية التي يتستر عليها الآخرون. هو لم يكترث بالهوامات التي تخلقها التصنيفات الاعتباطية لحقول الفكر ولم تثنه عن أن يكون حرّاً في تجريب مداخل ظلت على الدوام ممنوعة أو ممتنعة على المفكر، او هي قادحة في أهليته لممارسة عمله، اذ لا أحد من مفكرينا استوعب الدرس العرفاني مثلاً وتقبّله ليصهره في جهده الفكري بهذا الأداء البارع الذي أعطاناه العلوي.
قبول الدرس العرفاني لنكنّي به عن أسئلة الحاضر كان فعلاً خلّاقاً لا يليق الا بمثقف يعرف جيداً أن الصدمة ينبغي ان تكون الاسم الاخر للفكر في محيط لا يفكّر الا ليبرّر ولا ينتج الا وفقاً لقاعدة الاستصحاب الأصولية القاضية بإبقاء ما كان على ما كان. العرفان كان الصدمة الكبرى التي تلقّاها الدين الإسلامي من داخله بغية إحيائه، وكلّ المحاولات التي باشرها المتدينون لإفراغ العرفان من حمولته الصِدامية انتهت الى فشل مطلق، مع استشهاد الحلاج والسهروردي وغيرهما من المثقفين الجذريين.
وحين يتبنى مثقف معاصر تلك الحمولة الصادمة ويبثها في مطاوي درسه فأنه يكشف عن وعي عميق مؤداه ان استنطاق هذا الإرث كفيل بالدلالة لا على أسئلة الماضي حسب بل وإثارة الأسئلة التي تكسر اطمئناننا بحاضر نائم على وثوقيات ألفيّة انتهى مفعولها لكنها لم تزل تتنفس بعون من انعدام تلك القدرة على النقد. ومفكرنا ابو الحسن العلوي كان قد تمثّل هذا الإرث كما لم يفعل أحد قبله إلى حدّ انه كان يشكل لديه ممارسة حياتية يعرفها عنه كل من التقاه. كان هادي العلوي آخر من طهرهم اللهب المقدس الذي أشعله أهل الله بقولهم ( ليس منا من خالطته الأغيار الثلاثة أي المال والسلطة والدين )، ولطالما ردّد ذلك القول بفعله قبل أن يردده بلسانه فاكتسب عداوة شياطين هذه الأغيار من عبيد المال وكلاب السلطة وكرادلة المعمّمين. ليست مصادفة ان يكون للتصوّف ذلك الأثر في شخص العلوي وفكره، اذ هو عارف ان للتصوف تلك الميزة التي تجعله متفرّداً وعصيّاً على إدراجه في ممتلكات السلطة أو خزانة التاجر أو لحى الفقهاء، فالتصوّف وليد الحضارة الإسلامية ووارث أعمق ما فيها لكنه مع ذلك يضع بينه والتديّن حدوداً لا سبيل إلى اجتيازها أو محوها كلّفت أصحابها دماً في حياتهم وإهمالاً بعد مماتهم. وهكذا العلوي الذي في كل قراءاته للتراث أراد أن يثبت انه أبن هذه الحضارة لكنه من الوفاء لها بحيث لا يكف عن تفحّصها وتقليب ثوابتها وخلخلة بناها الوثوقية المتوهمة. أورثه الدرس العرفاني ذلك الامتياز الذي ندر أن نصادفه عند سواه، أورثه أن يكون إشكالياً بحق، فهو مؤمن بلا تديّن، مهموم بقضايا إسلامية لكنه مبتدع لنمط عبادته الخاصة ابتداعَ عارف يحدثه ربه عن قلبه، عربيّ تشربته اللغة حد أن ضاق بها أو ضاقت هي عليه فراح يوسع تخومها بضروب من الأداء الكتابي فريدة ومبتكرة لكنه الواقف بالمرصاد لتينك الخصلتين اللتين ميزتا الفكر القومي العربي اعني الغباء والكبرياء الفارغة، حدّ انه خجل من عروبته التي تجمعه مع ذلك الطيار الذي القى بغازاته القومية السامة على الكورد في حلبجة.
عراقي إلى آخر عرق فيه وهو الذي تفرّد بإصدار الكتاب الأحمر المدافع عن قضية عراقية ظلت إلى الآن محل خشية من يسمون أنفسهم بالأحزاب الوطنية ، لكنه الإنساني الذي يقحم نفسه هو وزوجته أم الحسن في الشأن السياسي لدولة مثل الصين. مثقف أفنى حياته بالقراءة والإنتاج لكنه الساخر من المشتغلين بالثقافة الذين كان يسميهم بالإسم الذي دعاهم به الخالد فهد: ( الأفندية ) زاهد تلبّسه أبو العلاء لكنه غير المكتفي بزهد صامت وخجول بل الذي يشهر ذلك الزهد الصادق في كل مناسبة، أذكر انه في أمسية ما، شن هجوما صاعقاً على شعراء فنادق النجوم الخمس وكان البياتي، الذي كان حاضراً، هو المقصود بهجومه ذاك. ومرة سخر من قصيدة شائعة لأدونيس يقول فيها: قل كلمة وأمضٍ زدْ سعة الأرضٍ قائلاً بجرأته المعهودة ان فعلاً كهذا هو أشبه بالريح التي يطلقها أحدهم ويختفي، وان الواجب أن يقول كلمته ويصمد، وحين أنهى كلامه، قلت له فلنقل إذاً: قل كلمة وابقَ ووسّع الأفقَ فاستحسنها وسمعت أنه رددها في أكثر من مناسبة.
المثقف الذي كأنه هادي العلوي يبرهن لنا بأن الثقافة إن لم تكن نقداً للأصل فلا تستحق اسمها. أقف مستغرباً أمام من يشهر اسمه بوصفه مثقفاً إسلاميا مثلاً أو قومياً دون أن يحوز تلك الميزة التي تجعله داخل هذه الثقافة وخارجها في آن، داخلها لأنه مشتغل عليها ومتمثّل لها، وخارجها لأنه يريد أن يشكك بأوثق ما فيها من أسس ومبتنيات من أجل فهم أفضل لها. أظن أن ما جعل شيخنا أبا الحسن متوافراً على هذا التفرّد هو اشتماله على الدرس العرفاني الذي أستوعبه عميقاً وتجذّر في شخصه كما في نتاجه، ولم تمنعه علمانيته وماركسيته من تقبّل هذا الدرس وبثّه بشكل خلاّق في ثنايا كتبه. بانتظار علوي آخر، ليس لنا الا أن نعي جيداً ما أراده أبو الحسن، عسى أن نكون جديرين به.
|
|
|