............................................................

 

 

كلكامش .. على سبيل المثال
نص من الشعر والمســرح


الشخصيات : سيدوري / كلكامش / أنكيدو / الكاتب / هو / الشاب / مجموعة من السياح .


 

( قاعة في قصر بابلي قديم تتوسطها عربة عشتار الملكية، إحدى عجلاتها مكسورة ومثبتة برقم طينية وبقايا تماثيل مهشّمة، يبدو واضحاً على العربة شعار النجمة ذات الثماني شعَب –  رمز عشتار، وفوق النجمة تماماً نافذة مربعة الشكل .المكان مليء بكِسَر الألواح والرقم .  والى الخلف صفّ تماثيل بشرية بأوضاع مختلفة ، بعضها في هيئة صلاة ، البعض الآخر يقتعد الأرض ، سنرى من بين التماثيل ، تمثال أنكيدو وتمثال كلكامش وتمثال الكاتب ، جميع التماثيل ترتدي ثياباً حمراء ، الثياب التي كان العراقيون القدماء يرتدونها لاخافة الشياطين في المعبد. بين الحين والآخر تسمع أصوات انفجار وقذائف وأسلحة نارية مختلفة ، قادمة من مكان بعيد. وقع أقدام يتصاعد شيئاً فشيئاً.

سيدوري " شابة جميلة " ، تخرج من عربتها لتستقبل القادمين . يدخل جمع من السيّاح الأجانب ، بعضهم يدخن ، البعض الآخر يحمل كاميرات يلتقطون بها صوراً لموجودات القاعة ، سيدوري تحييهم ، وباشارات مقتضبة وسريعة من يديها تؤدي دور المرشدة السياحية مشيرة الى الآثار ، الى الجدران والعربة والتماثيل . السياح يبدون اهتماماً مبالغاً فيه يشوبه بعض التعالي ، وفي كل ذلك لن يسمع الجمهور أية كلمة ، بل مجرد همهمات تصدر من الجميع ، من سيدوري ومن السياح ومن التماثيل أيضاً .

يتعالى اللغط والهمهمات ثم يخفت رويداً ، ويتلاشى تماماً حين يخرج السياح من القاعة تتبعهم سيدوري التي سرعان ما تعود وحدها . ما ان تدخل سيدوري حتى تبدأ التماثيل بالحركة ، يتحرك تمثال كلكامش ثم تمثال أنكيدو وبعدها تمثال الكاتب ).

 

 

سيدوري : ( يبدو عليها التعب والضجر ) يا له من يوم شاق. ما أطول هذا النهار. يكاد هذا اليوم أن لا ينقضي .

كلكامش : يوم آخر في أبدية لاتنتهي . يجيئون ويذهبون ، ونحن هنا ...

الكاتب : ( يحمل كتاباً ضخماً يقرأ فيه ) دائماً نحن هنا، في المكان ذاته، نهبٌ لرياح الأزل .

أنكيدو : أشعر أحيأنا كما لو أن الليل سيطبق فجأة ، ثم أرفع عيني فأرى الشمس وقد تسمّرت في مكانها وسط السماء ، يا للكون المخادع .

الكاتب : نهارُ مؤبد ، شموس حارقة تخترق الجدران والأجساد.

أنكيدو : هنا فقدتُ احدى عينيّ ، وبالعين الأخرى أنتظر المغيب . لن ينقذني أحد .

الكاتب : الهواء سامّ هنا ...

كلكامش : وهذه الثياب الصفيقة لها لون التراب ( يتشمم ثيابه ) ورائحة الطاعون .

الكاتب : ( بسخرية ).. هذه الأسمال النورانية المقدسة .

كلكامش : من يمتلك القدرة على خلعها ، هذه الثياب الرثة ...

سيدوري : من يمتلك القدرة ؟! .. قل من يمتلك الشجاعة .

كلكامش : أحيأنا .. وفيما يشبه النبوءة ..

سيدوري : ( تقاطعه وهي منشغلة بأظافرها ) ... نبوءةُ متأخرة ولا شكّ .

كلكامش : ... اتعرّى من هذه الثياب ، أخلع عني غلالة السنين قطعة قطعة واقف منتصباً تحت المطر ...

سيدوري : المطر المتساقط من أحلامك المزمنة .

كلكامش : سيل المطر الجارف يتصبب على رأسي وأنا ارتعد من البرد والفرح مطر ... مطر ... مطر ...

سيدوري : ( ضاحكة ) نادوا على أوتانبشتم .. انه الطوفان .

الكاتب : ( يصرخ ) أبتاه .. لقد عادت البشرية الى سيرتها الأولى ، ماءٍ وطين ...

أنكيدو : لن ينقذنا أحد .

كلكامش : فيما مضى من حياتي كنت أحلم أحلاماً عجباً ....

سيدوري : أحلاماً ملبّدة بالغيوم.

أنكيدو : لماذا أحلامي تجنحُ نحو المغيب ؟

منذ فقدتُ إحدى عينيّ لا أحلم الا بالمغيب ...

 سيدوري : تحلمون احلاماً عجباً ، ... أعرف أن بعضكم يرى في حلمه ان يصبح مرة اخرى الهاً ، أو فلنقل ثلثي اله .. ، ربما نصف اله ونصف بشر... لكن اعلموا انكم حينما ...

الكاتب : ( مقاطعاً اياها وهو يقرا في كتابه ) حينما في العلى ...، لم تكن السماء قد سمّيت بعد والارض حين لم يكن لها اسم أبداً ... ، كانت الحياة مثيرة للشفقة ، باعثة على البكاء ، والآلهة ...

سيدوري : ( غاضبة ) اصمت أنت ( تواصل حديثها ) اعلموا أنكم حينما أنتهيتم الى ما أنتم عليه ، ايها المقدسون ، وعرّشت صرخاتكم الأليمة التي كأنت يوماً ما مدوّيةً في أبهاء القصر ، عرّشت في الزوايا والأركان كبيوت العناكب ، لم يعد لكم الا الامتثال لسطوة أحلام متفسخة ، احلام غابرة ، نبوءات غارقة في القدم ...

الكاتب : ( دائماً يقرأ من كتابه ) والآلهة كأنت كأسراب ذباب تتساقط على الأرض الموحلة، الأرض العفنة التي لم يكن لها اسم أبداً ...

أنكيدو : في زمان مضى ... كان لي أخُ ... على ما أذكر ... ، ثلثاه اله ربما ، وثلثه الآخر ... لا أدري ...، لعله كان من دم ودموع .

سيدوري : ( ضاحكة ) واهاً لكم ... واهاً لهذه القلوب الالهية المقدودة من حجر البازلت ...

كلكامش : أنا ... أو يخيل لي أنه أنا ... فأنا أذكر ذلك كما لو في حلم بعيد ... أذكر انني كان لي ( متردداً) كان لي ...قلب، وكان قلبي يحدثني بأشياء وأشياء ، كان يحدثني مثلاً بـ....( يتردد والاخرون يحثونه على الكلام )

الجميع : يحدثك ... بماذا يحدثك ؟

   كلكامش : كان يحدثني بـ... بـ... بالخلود .

( ضحك من الجميع ، اصوات القذائف مرة أخرى تختلط مع الضحك ، فيما يشرع الكاتب بالقراءة من كتابه الضخم ، مرتلاً )

الكاتب : قلبي يحدثني بالخلود ، أنا كلكامش ، لقد عزمت أن أنقش اسمي هناك في الموضع الذي حفرت فيه أسماء الخالدين.  سوف أجتاز ارض البشر الفانين ، لأصل فردوس الحياة حيث ينبت العشب الخالد الذي يجعل الحياة سرمدية الى أبد الآبدين .

الجميع عدا كلكامش : آمين ... ( يضحكون )

الكاتب : ( يتقدم من كلكامش ) اذن ... فأنت هو الذي رآى ؟

سيدوري : ( غارقة في الضحك ) أيّ كلكامش أنت .. ها... أيهم أنت يا كلكامش ؟ ان لم تخنّي ذاكرتي فأنت عاشر كلكامش يمرّ علي في هذا المكان .

الكاتب : الحادي عشر يا سيدتي ، الحادي عشر ...

سيدوري : كلكامش الحادي عشر ، ... هذا يعني أن عشرة مرّوا من هنا قبلك ... ما أقصر هذا الزمن ... ، أحد عشر كلكامش وأنا  مازلت عذراء ( سيدوري والكاتب يضحكان ) عذراء ... مازلت عذراء .

الكاتب : ( يقرأ من كتابه مرتلاً ) لم يترك كلكامش عذراء لأمها ... ، عذارى أوروك الفاتنات اليانعات ، الممتلئات منهن والممشوقات ، كلهن سفحن بكورتهن على سريره المعطر بالفحولة قطرة قطرة .....، وفي كل فجر قبل صياح الديك حين  كانت رعيته تستيقظ على قرع طبوله ، تكون المدينة العظيمة قد ودّعت عذراء خجولة واستقبلت امرأة ثيباً ، أنثى كاملة  وسعيدة مثل تفاحة مقضومة .... حتى لقد قال الرواة الثقاة ان أسواق أوروك امتلأت بالبطون المنتفخات .... ، وشوارعها  غصّت بالأبناء المتشابهين والبنات المتشابهات .

سيدوري : ( تذهب الى كلكامش الحزين والمنكسر ) أي كلكامش ... كلكامشي الحبيب ( تداعبه ) أيها الملك المبجل ، يا ذا القوة التي لا تردّ ، لم اعتراك الوهن والاضطراب ، وامتقع وشحب لونك ؟ و لماذا غارت عيناك في جمجمتك وخارت قواك؟ أية داهية دهتك حتى تبدلت هيئتك فتركتَ قصرك ونساءك ورحت تفترش الأرض وتلتحف السماء ؟ ولماذا همت على وجهك في البرية القفر ، حتى كأنك واحد من حيواناتها المتوحشة ؟ ( تغير لهجتها فجأة ) هل تذكر ذلك يا كلكامش. كلّمتكَ بمثل هذا الكلام حين مررت من أمام نافذتي أول مرة ...أتذكر؟

كلكامش : يومها كان حملي ثقيلاً ... كنت أحمل جثة أخي أنكيدو ... والآن فان حملي صار أثقل ..

سيدوري : كان ثلثك البشري يبكي .. بينما ثلثاك الآخران يندفعان إلى أقصى .

كلكامش : الى مجاهل نائية لم يطأها خيال البشر ... أخرجتِ رأسكِ من النافذة وقلت لي : ايه ياكلكامش ....

سيدوري : ايه كلكامش ... يا ملك أوروك وراعيها ... أيها السور والحمى ، على مَ تراك عزمت ... والى مَ وجّهت وجهك ؟

كلكامش : لقد انطفأ أنكيدو ... أخي الأصغر غيّبه الموت .

سيدوري : لهفي عليك ... والى أين تسعى به ؟

كلكامش : منذ ان أغمض أنكيدو عينيه وأنا كالمجنون أدور أدور على ينبوع مسموم ... أما من يد تمتد لتطفيء هذا السراج ؟ سيدوري يا صاحبة الحانة ... أنا عازم على الذهاب الى البعيد... الى فم الأنهار ... الى الهور ... حيث يسكن جدّي أوتانبشتم الخالد ، ولسوف يمنحني سرّ الحياة .

سيدوري : الى أين تسعى يا كلكامش ، ان الحياة التي تبغي لن تجد ، لان الآلهة العظام عندما اجتمعوا واختطوا انظمة للكون جعلوا الفناء نصيبَ البشر المحتوم ، واستأثروا وحدهم بالخلود ، اما أنت يا كلكامش فلتكن ثيابك نظيفةً زاهية ، وليكن كرشك ممتلئاً على الدوام ، داعب المراة التي تحب ، اعتن بأطفالك ... فهذا نصيب البشر (مغيّرة لهجتها ).. ولم تصدّقني..

كلكامش : ما صدّقتكِ ...

سيدوري : لم تصدقني أيضاً حين أمسكت بك ... وقلت لك تعال اطرح حملك هنا وابقَ معي ... ابقَ معي ولسوف أهبك حياة هانئة زائلة ، فانية وساطعة كالشمس ، لم تصدّق حين قلت لك انك ، ايها الملك ، عاشر كلكامش تصطاده نافذتي ...

الكاتب : ( صارخاً ) أحد عشر ... أحد عشر .

سيدوري : عشرة مرّوا قبلك ، كلهم أثلاث آلهة ، أنصاف مقدسين ( بسخرية ) ... وأرباع رجال .. أولو بأس شديد ولكني الى الآن عذراء .  

كلكامش : ليتني كذبت كلكامش وصدّقتكِ .

سيدوري : ما صدّقت لأنك ما جرّبت ، ولو جرّبت لصدّقت ، ولو صدّقت لما همتَ على وجهك في الآفاق بحثاً عن ...

الجميع عدا كلكامش : الخلوووووود ( ضحك )

كلكامش : رحلت ... تهت ... رأيت ما لم أره في الكتب .

الكاتب : كل شيء مدوّن في الكتب ... كل شيء موجود هنا .. اسمع .

كلكامش : ( ومعه الكاتب يقرأ في كتابه مردّداً الكلام نفسه ) خضتُ في بحار الموت ، قطعتُ براريَ تلف ، سنوات طويلة  قضيتها في الطواف الى ان بلغت نهاية العالم ، هناك قابلت الرجل الحيّ ، الشاهد الأوحد على الطوفان ... جدي أوتانبشتم ... أعطاني سرّه وبركاته وارشدني الى عشبة الحياة .... وعدت ثانية ، رجعت الى أوروك ...

كلكامش : ( وحده ) ورجعتُ الى أوروك .

سيدوري : رجعتَ الى أوروك . بأية حال رجعت؟ من أي الآبار شربت حتى عدتَ متهدماً ، مترعاً بالخوف والرماد ؟

كلكامش : رجعتُ بالكنز أحمله في يدي هذه .

سيدوري : يدك كانت فارغة ...

كلكامش : بل كنت قابضاً على سرّ الأسرار

سيدوري : لم يكن معك شيء ...

كلكامش : كانت عشبة الحياة معي .. قطفتها من الآبسو ، من المياه العميقة قطفتها وحملتها معي لأزرعها في أوروك .. تذكرين؟

الكاتب : ( يتصفح كتابه ) لحظة واحدة من فضلك .. هناك خطأ ما ، هذا الكلام ليس موجوداً هنا ... غير مكتوب ... أبداً .

كلكامش : ( متجاهلاً الكاتب ) كنت أريد أن تحيط بأوروك مزارع من النبات الخالد الذي جلبته معي ، مزارع على مدّ البصر، مزارع خالدة بدل المقابر .

الكاتب : ما تقوله خطير جداً ... فضلاً عن كونه غير مدوّن هنا ... أنا أحذرك .

كلكامش : ( لم يزل يتحدث الى سيدوري ) كانت العشبة طوعَ يدي ، لو أردت التهامها دفعة واحدة لفعلت ، غير أني فكرت، لو فعلتها لشاهدتُ من كوة الأبدية أخوتي ، ابنائي ، رعاياي يتساقطون واحداً بعد الآخر ، وأنا المتأبّد أنظر اليهم من  عليائي ولا أقوى على فعل شيء ..

الكاتب : ( يتصفح كتابه بسرعة وانفعال ) غير مكتوب ... غير مكتوب كل هذا ليس مكتوباً ... لا ... أنت تهينني ...

كلكامش : ( متجاهلاً الكاتب ومخاطباً سيدوري ) لو أكلتُ العشبة وحدي ... لمتّ مراراً ... أتفهمين ؟ لو أكلتها لمتّ مراراً وتكراراً في خلودي .

سيدوري : اذن ... شكراً للأفعى التي سبقتك اليها وأكلتها.

كلكامش : أهذا ما تقولينه أنت ... يا سيدوري ؟

سيدوري : هذا ما تقوله الكتب ...

الكاتب : ( حاملاً كتابه ) اسمع ... مكتوب لديّ هنا بخط يدي أنا شخصياً ، انك بعد ان نزلتَ الى قاع الآبسو وقطفت العشبة ، خرجت خائر القوى ، منهكاً وسعيداً ، وهناك على حافة الماء أخذتك اغفاءة ، جاءت الأفعى وسرقت منك العشبة وأكلتها ... منذ ذلك الحين والأفعى تغيّر جلدها كل عام ... عاشت الأفعى ... مات كلكامش ... أنتهينا ؟

سيدوري : ( تفتعل الحزن ) مأساة ..

الكاتب : تابع معي ارجوك ... لا أريد خروجا عن النص بعد الآن ... مفهوم ؟

كلكامش : أما أنا ، كلكامش ، فأقول ، لم تكن هناك أفعى .. والعشبة تلك لم يرها أحد سواي أنا ، ( الى سيدوري ) وأنت يا سيدوري  وأنت ، ( أصوات قذائف من بعيد ) أنت تذكرين ولا شك ؟

سيدوري : لا أذكر شيئاً .

كلكامش : بل تذكرين ...

سيدوري : ( منفعلة ) نعم أذكر .... اذكر يدين خاويتين تتوسلان تحت نافذتي كسرة خبز وقليلاً من الماء ... لم لا أذكر ؟ .. نعم أذكر أذكر ارتجافك من البرد تحت أقدامي ... كما أني أذكر الكثير أيضاً اذا كنت ترغب في المزيد .

كلكامش : ( خجلاً يحاول تغيير اتجاه الحديث ) حسن... حسن ... لقد أنتهى كل ذلك الآن ... ولكن اعترفي على الأقل انكِ رأيتِ تلك  تلك العشبة اللعينة في يدي ... رأيتها اليس كذلك ؟

سيدوري : عن أية عشبة تتحدث ؟ لقد سئمت هذه القصص .

كلكامش : يا امرأة ... أنت تكذبين .

سيدوري : ( غاضبة ) اسمع الآن ... لولاي ، لولا أني آويتك وأطعمتك وكسوتك وسمحت لك ان تسكن في هذا القصر لكنت طعاماً  للنمور في حلبات المصارعة في أوروك ، أنت تعلم ذلك جيداً ... ما أن غادرتَ مدينتك وودّعك رعاياك المخلصون بدموع غزيرة أيها الملك النبيل ، حتى انقلبت أوروك كلها ضدك ونصبوا واحداً آخر مكانك ... ، ملكاً آخر ... كلكامش آخر، أكثر قوة وبأساً وفتوة منك ...، لقد ... أحرقوا تماثيلك في ساحات المدينة .

كلكامش : ملك آخر؟ ... كلكامش آخر؟ غيري أنا ؟

سيدوري : رأيته يعبر من أمام نافذتي ... ، وسيماً بهيّ الطلعة ... الا أني لم أزل عذراء .

كلكامش : تكذبين .

سيدوري : ( بغنج ) أتريد أن تجرّب ؟

كلكامش : ( متلعثماً ) لا أتحدث عن هذا ... فأنا لا تهمني عذريتك ... أنا أقصد هذه القصة الملفّقة ، انقلاب أوروك ضدي ... احراق  تماثيلي ... وهذا الملك الجديد ... الوسيم .. ( ساخراً ) ذو الطلعة البهية ..

سيدوري : آه ... تقصد كلكامش ؟

كلكامش : ( غاضباً ) أنا كلكامش ... أنا هو كلكامش ( يتلفّظ الجملة بشكل متقطع مؤكداً على كل كلمة ) أنا ... هو .. كلكامش .

سيدوري : ( تقلّده ) هو ... أيضاً... ، اسمه...، كلكامش ، كلكامش ...، الثاني ... عشر .

الكاتب : ( في الكتاب وبما يشبه الترتيل ) كلكامش الثاني عشر، راعي أوروك السور والحِمى، على وقع طبوله تستيقظ رعيته، ثلثاه اله وثلثه الآخر بشر ، قهر خمبابا في غابة الأرز ، صارع الثور السماوي وأنتصر عليه ، هو الذي رأى كل شيء ... رأى أن الآلهة قررت في اللوح المحفوظ موته كما قررت موت أخيه أنكيدو فأقسم أن يكسر الواح القدر ، وأن يبدّل مصيره  ومصائر جميع البشر ... ، كلكامش الثاني عشر الذي غسل سلاحه في المياه السفلى ... سوف تطأ قدماه القويتان قرارة  الآبسو المقدّس وستمتد يداه الى شجرة الحياة المزهرة ليقطف لنا – نحن البشر الفانين – عشبة الخلود ، وسيأتي ليزرعها في أوروك ، وها نحن أتباعه وأبناء أتباعه ، ورعاياه وأبناء رعاياه بانتظار مخلّصنا ، ومنقذنا من التهلكة والفناء المحتوم. كلكامش الثاني عشر ، عسى أن تكون الآلهة الرحيمة عن يمينه وشماله ، ومن فوقه وتحته ، وخلفه وبين يديه وفخذيه ...  والى أن نرى يومه الموعود ستلهج ألسنتنا بذكره صباح مساء .

( اثناء قراءة الكاتب السابقة يدخل حشد من السيّاح ، وكما في المرة الأولى تنهض سيدوري لاستقبالهم ، بينما الكاتب مستمر

في قراءته يلتقطون صوراً له ، للعربة ، لكلكامش والتماثيل ، وحالما ينهي الكاتب قراءته السابقة يكون قد خرج آخر سائح تتبعه سيدوري التي سرعان ما تعود وحدها ).

كلكامش : ( مخاطباً سيدوري ) حسن ... أين هو الآن ؟

سيدوري : مَن ؟

كلكامش : هذا الكلكامش الذي تتحدثين عنه ...

سيدوري : آها ... لقد رحل .. أراد أن يبرهن على حقيقته ... فرحل ، غادر في سفر طويل ... كما فعلت أنت تماماً .. كشف عن نفسه وصدّقه الجميع ... لكنه سيعود .. عما قريب سيعود اليّ ...

كلكامش : لعلكِ مغرمة به يا .. سيدوري ؟

سيدوري : كما كنت مغرمة بكم جميعاً .

كلكامش : بنا .. جميعاً ...؟ نحن ؟ ... من نحن ؟

 سيدوري : وجه واحد مكرر في المرايا ... ، أتريد ان تراه ؟ أتريد أن ترى خلفك يا صاحب الجلالة ( تعطيه مرآة ) .. ها هو ... انظر اليه جيداً تمعّن في صورته تجد صورتك أنت .. انظر اليه ... أليس هو مَن أهانني ... أنا زهرة السوسن ، نرجسة  الشمال ، أراقني أنا قارورة الطيب ، أنا قوس قزح ، بهجة الأرض والسماء ؟

كلكامش : ( ينظر في المرآة مندهشاً ) لكنه أنا .. هذا أنا ... كلكامش .

سيدوري : انه أنت ... أنتم ... الوهم تعكسه مرايا الأبدية .

كلكامش : بل هو أنا ... أنا هو ... أنا ... ولا أحد سواي .

  ( صوت القذائف أقرب من السابق مع أصوات رصاص ، يتحرك أنكيدو ، يبدو كأنه يؤدي رقصة مؤلمة )

أنكيدو : ماذا فعلتُ لأستحق هذا كله ؟ .. يا له من إدراك مقيت ... الأعوج لا يمكن ان يقوّم ، والنقص لا يمكن أن يجبَر ، وأنا حيث أنا .. في عين الشمس ... في ذات اللهب المخادع ... ولا أحد ينقذني ... من رآى منكم فردوساً محترقاً كهذا؟  سيطول النهار بي وبكم ... سيطول النهار.  يقظتي الطويلة سوف تنبئكم أن العذوبة مشتقة من العذاب، يا له من إدراك مقيت حين تمدّون أعناقكم ، أيها البشر الفانون ، الى قطعة ظلام ، تتوسلون أن يرمي أحد ما اليكم كسرة ليلٍ تسكنون فيه ولا تجدون ... لن تجدوا الا الهواء البشع المضيء مثل رمال خارجة توّاً من سعير جهنم . يا له من إدراك مقيت .

كلكامش : ( لم يزل ينظر في المرآة ) لكنه أنا ... انه حقا أنا كلكامش ( بفزع ) .. انظري .. انهم يتكاثرون .

سيدوري : أنت ، هو ، هم ، ألوهيتي بسطتّها أمامَك ، عارية ومحتجبة ناديتك كما ناديته ، بكلام جسدي يتفتح الكون ، دعوته كما  دعوتك ... لكنكم فضحتموني ...

أنكيدو : يا له من إدراك مقيت ...

سيدوري : عددّتم عليّ معايبي ... قذفتموني بأسماء عشاقي ..

كلكامش : انه أنا ... نحن ... هو .. أنا .

أنكيدو : مجبر أنا.  فرض عليّ أنا .  مرغم على الوقوف أمام مرايا تتضاعف وتضاعفني، تعيدني الى نفسي مِزَقاً ...وتكررني ، وتكرر عطبي ، حياتي وموتي وبعثي وخلودي ... مرايا تكرر كل شيء ، تكرّركم وتكرر نفسها ... تعيدكم وتعيد نفسها دورة دورة ... وحكاية حكاية .  ماذا فعلت لأستحق هذا كله ؟

كلكامش : ( الى سيدوري ) رفقاً بي .. هذه المرآة مليئة بكِ ... مليئة بضحاياكِ .

سيدوري : أرسلت اليه ثوري السماويّ .. ذبحه .. احتزّ رأسه ورمى اليّ بفخذه .. الم تفعل أنت ذلك أيضاً ؟

كلكامش : ربما .. لا ادري .. لعلني هو ولا أدري .. لعله أنا ... لعلنا نحن .

أنكيدو : أنتم يا من جعلتم أحلامكم مترعةً بخزائن الذهب وحمّى الترف، لو تعلمون كم أتى عليّ حين من الدهر وأنا أحلم بشمس غاربة في الأفق ... فقدت عيني وأنا أنتظر المغيب ... واذا طال النهار بي وبكم ، قد أفقد عيني الأخرى قبل أن يحل المغيب . يا له من إدراك مقيت .

كلكامش : ( لم يزل ينظر في المرأة ) سيدوري ... تعالي وانظري ما أرى .. لا تقولي لي ان هؤلاء كلهم أنا .

سيدوري : انه الوهم يتناسل في المرآة ... أو لعلها المرآة تنعكس في وهمها ... انه عمل لا ينتهي ... كحكايتنا .. لا تنتهي .. مثله مثل الثأر .. تماماً ...

كلكامش : الثأر ..؟ ممّن تثأرين سيدوري ؟ مني ؟ منه ؟ أم من هؤلاء جميعاً ؟

سيدوري : لا أدري ... لم أعد أعلم ... ففي كل صباح ، حين أفتح عيني ، أرى في هذه المرآة يوماً سرمداً لا يكاد ينقضي ، القصة  ذاتها ، طوفان الماء ، سفينة النجاة راسية على الجبل ، أور&