............................................................

 

 

أحمد عبد الحسين ،، صناعة المغامرة ، مغامرة  المختلف!!!

 علي حسن الفواز


 

 

الشعراء يؤسسون امتيازا لعالم طاعن في شهواته ، يقترحون اوهاما نافذة الى جلد الكائن وروح اللذة ، يمارسون اغواء باذخا ازاء اللغة والقصيدة والمرآة والمرأة ، وكلها كينونات متعالية في ألانوثة ،،لكن البعض من الشعراء اراد الخروج عن دورة اللعب الشمولي المتورط بالتكرار والاشاعة الى نوع من النزوع النافر المحمول على  ايهامية الذات بحيازة  القوة الباسلة ،، تلك القوة التي تحاول ان تحقق تمثلاتها في النص وفي الوجود عبر وعي اشكالي يمنح الذاتوية تلك حضورا ومركزا تعويضيا  يتجاوز قوة الفرد في اطار الحضور ( النسقي) المتداول والمهيمن في  سايكولوجيا الحشد/ الجماعة / الحزب / الجامع/ النص المشاع  ،،ولعل حيازة الذات على امتياز وعيها وممارسة لعبة الفريسة المضادة  تؤشر خروقا  وتمردا على كتابة النمط ، وكتابة الاشاعة ، وكتابة الحشد  ..

ان الشاعر احمد عبد الحسين واحد من الشعراء القلائل الذي مارسوا لعبة التمرد واغواء الانوية بوعي يدرك الخاصية الابداعية والزمنية لخطاب التمرد هذا !! فهو من جيل انفتحت عوالمه على نص مشبع بسايكولوجيا الايهام بالقوة !!/ قوة النص ، وفضاءات شعرية اسست الكثير من ملامحها على نظام استعاري كوني ، فيه الكثير من روح المغنطة التي تجذب اليها الجسد المسكون بقوة الحشد ولذة تكراراته  لصناعة صدى اشكالي لظاهرة النص في سؤال الحدائة الشعرية وطروحاتها المعروفة على مستوى التأسيس والمغامرة والبيان...

لقد طرح احمد عبد الحسين مشروعه الشعري في الثمانينيات بشكل لافت منذ بواكير نشره في مجلة الطليعة الادبية ، جملته الشعرية مكثفة وانيقة ومختلفة ، حادة الملامح لكنها تكشف عن دراية في التركيب الصوري ،الذي يحرّض دائما على القراءة المختلفة ايضا ،يملك حساسية وقلق

وريبة ازاء الانضواء الى نص يمكن ان يكتبه الجميع !!! وهذا ما جعله اقرب الى روح المغامر اللجوج في وعيه وفي توظيف مجساته السرية بحثا عن تحولات اكثر ادهاشا في النص !!

ربما نجد ان هذا الخاصية التي اقترنت بمغامرة احمد عبد الحسين هي التي وضعته في طليعة شعراء جيله ،، الذين كانوا بحق ( جيل القلق الشعري) الباحث عن لحظة وجودية خالصة ،والمسحوق تحت سطوات حروب متعددة ،،حرب العسكرتاريا التي اخذت الشعراء الى حرائقها

واوهامها واكاذيبها ،،حرب السطوة الجيلية التي كان يمارسها الشعراء السابقون في سياق النظام الاجتماعي الصانع لاوهام غرائبية وعلائق تسحق الابناء بحصرم الاباء !!! وحرب الكاريزما الشعرية العربية التي وضعت ادونيس وانسي الجاج والسياب وسعدي يوسف وفوزي كريم وفاضل العزاوي وسركون بولص وعباس بيضون وغيرهم في سياق ايقوني ذات سطوات تختلط فيها الابوية الفرويدية مع انتاج نص المهيمن القريب من المقدس !!

ان مغامرة الجيل الشعري الجديد كانت مغامرة مركبة عبر نزوعها الى خلاص وجودي وشعري ونفسي ولغوي ،،وربما كان الجوهر الاشكالي للمغامرة هو احد اسباب صناعة المهجر الشعري العراقي التي وضعها البعض قسرا في سياق محنة السياسي/ الاقتصادي / السلطوي ،،،اذ ان اية قراءة جادة ومتفحصة لفضاء المغامرة الشعرية سنجد انها تستبطن البحث عن  شرطها القاسي في التماس الحرية ، تلك الحرية التي استدعت انزياح الشاعر الى مغامرات ثانوية عبر اسطرة الوجود واستحضار عوالم وشواهد غارقة في سحريتها او بعضها اقرب الى الهامشي والمبذول في محاولة لصناعة مشهد انساني له قلقه واسئلته مثلما له نزوعه الشخصاني المرعب في الخروج من لعبة المغنطة ، والسماء الخفيضة التي كرستها ظواهر الحشد والتكرار والقوة الغاشمة !!

ولاشك ان مغامرة احمد عبد الحسين قد ادركت اغلب اسباب الاشكالي الشعري ، وادركت ان قلق الحرية ، وقلق المكان ، وازمة وعي الاخر ، وةوة الخروج عن لزوجة التكرار والاشاعة

تمثل جوهر الذاتوية الشعرية الخالصة التي تحدثنا عنها ،،حيث تملك هذه (الذات) شروطا غيرقياسية في اثارة ما هو اكثر فاعلية واكثر تخلصا من النص الايقوني باتجاه النص القرائي غير المشرعن با لبداهات والصدى الايديولوجي والاسلوبي ... وهذا احد الاسباب المهمة التي جعلت احمد عبد الحسين ينحاز الى كتابة التنظير النقدي والاهتمام بمشاغله الاسلوبية والبحثية والمرجعيات التكوبنية للظاهرة الشعرية الجديدة في العراق ،،،  ليس باتجاه تأسيس ظاهرة النا قد الشاعر ذات التوصيفات الادونيسية !!! وانما من اجل الدفاع عن نصه اولا !! وتكريس قيمة وعيه الجمالي والبنائي ثانيا في التعاطي مع ظاهرة الحداثة وما بعد الحداثة وغيرها من الظواهر المثيرة للاسئلة دائما ثالثا ،، فضلا عن نزوعه لممارسة طقوس الحرية بعيدا عن الذاكرة اللغوية المرعبة التي تختزن سطوات المعذب والمسكوت عنه والمتماهي مع رمز الاب ونموذج النص الايقونة !!!

ان ما قرأته لاحمد عبد الحسين مؤخرا في تجريبه النقدي أو في مغامرته الشعرية يؤكد هذا المنحى الذي يسعى فيه قلقا باحثا ساخطا شكاكا !! باحثا في مرجعيات الشعرية العراقية واجندة زمنها التأسيسي وعوالم مغامراتها عن الكثير ( التسريبات ) التي اختلطت بحوشيتها مع ما هو شعري والقت بظلها على جوهر المغامرة الشعرية العراقية ،،لكن قسوته المفرطة وشكوكه ذات الجرعات العالية ومزاجه المتوجس ب( اناه) الخالصة جعلته يرمي الحجر في بعض تشخيصاته خارج لعبة الماء ودوائره  !! وربما جعلته يشتغل في مناطق اكثر ايغالا بحثا في سرية الطين الحري عن كينونة الشعري وسؤاله الفلسفي والوجودي ،، واحسب ان هذه النزعة تتجاوز منهجية الناقد الى قلق الشاعر الذي يحاول ان يمسك نصه الهارب ! نصه غير المرأوي ، وغير المشخصن في الاخرين !! تلك هي بعض خاصية احمد عبد الحسين الذي يحمل تحت جلده توهج الشعري وحرائقه ،وقلقه وحريته التي تجذبه الى اقصى اللذة ، لذة البحث ،لذة الوهم ، لذة الجسد وهو يتفكك في نوبته الشعرية الى كينونات ،كل منها يحمل روحا باسلة وأناة نافرة ،،انها لعبة مثيرة للقلق ورمي الحجر حقا  !!!!!


نُشر المقال في موقع كتابات