............................................................

 

 

مقالة الناقد فاضل ثامر عن نصّ  الهواء الأخير


تنتمي تجربة الشاعر أحمد عبد الحسين لقصيدة النثر في نزوعها الى الإنفلات والتحرر من ضوابط التقاليد الشعرية الحديثة والتمرد على المألوف اللغوي والإستعارة التقليدية عبر تفجير ينابيع المخيلة والرؤيا، الا ان القصيدة تظل ، رغم ذلك ، محكومة بأنساق منطقية وبنائية واضحة وملموسة قابلة للفحص والتحديد.

ويبدو أن الشاعر يطمح في قرارة نفسه الى تحقيق نوع من التداخل بين الأنواع الأدبية لخلق نصّ جديد عن طريق تناسخ الانواع الادبية وتداخلها، ولذا شاء أن يطلق على تجربته مصطلح ( النصّ ) بدل القصيدة.

تتشكل قصيدة ( الهواء الأخير ) عبر بنية درامية متنامية، وتستعير الكثير من تقنيات السرد القصصي وبناء المشهد الدرامي، وهذا ما يمنح القصيدة احتشاداً بأصوات الشعر الثلاثة التي تحدث عنها الشاعر ت . س. اليوت، بل أن قصيدة الشاعر ، هي الأخرى ، محكومة ، الى حدّ كبير ، ببنية القصيدة الأليوتية، فهي تلتقي وتجربة ( أغنية حبّ الى ج . الفرد بروفروك) لأليوت، فالبطل ، القناع هنا يعاني من الأحساس بالهزيمة والانسحاق داخل أسوار المدن المفرغة حيث الهواء، المضغوط  ، المعلّب،  وحيث يتسرب من بين أصابع يديه فيظل وحيداً أمام صليب هزيمته.

وبهذا تصبح القصيدة مرثاة للإنسان الذي يستحيل الى مهرج عاجز في عصر مليء بالقسوة والكوابيس والقهر.

وينجح الشاعر في استصمار طاقة الاصوات الشعرية الثلاثة بنائياً ، وفي تلوين حركة الحدث الدرامي، كما يوفّق في الإفادة من بنية السرد القصصي ، ومن ثراء المشهد المسرحي.

وهكذا تتناوب حركة القصيدة بين هذه التنويعات الأسلوبية والتقنية في عملية ( لعب ) فنيّ ذكي ومدروس.

وبهذا فالقصيدة تنجح في أن تعوّض عن خسارتها الإيقاعية والوزنية بقيم إيقاعية جديدة ، ربما من أبرزها الإهتمام بخلق ( إيقاع الفكرة ) والتوسل ببعض مظاهر أنساق التوازي والتشاكل، كالتوازي الترادفي والتوازي الطباقي، كما نجد بعض مظاهر التكرار والتشاكل التركيبي والنحوي:

 

لا مساء أشدّ مرحاً من هذا المساء

لا نواقيس أشدّ بهاءً من قرع يديكِ على الفراغ

 

أو هذا الولع ببعض ألوان الجناس الإستهلالي والتكرار:

هذه أول العتمة

هذا آخر عهدي بالموسيقى

 

وأيضاً:

يا أخت

هذا قميصي مبلل

وهذا معطفي

 

تظل تجربة أحمد عبد الحسين تجربة ممتلئة وذكية ، ورغم غياب الوزن الا انها تربح أشياء أخرى بديلة تجعلها قريبة الى النفس ، وهي ، إضافة الى قصيدة سابقة قرأتها للشاعر ( الجوهر النائم المفضوح ) تجعلني أنتظر من هذا الشاعر المزيد من الصدق والإبداع والمعاناة في تجاربه المقبلة.


مجلة الطليعة الأدبية العدد السابع1987