|
|
............................................................ |
|
|
|
||
|
ازدواجية
الحب وخوف
الزوال في
شعر فروغ فرخ
زاد
إني في حمّى الليل أهبّ من انتهاء أيّما نسيم إني في حمّى الليل أتحطم كالجدران بضفائري الثقيلة بين يديك، وأهدي إليك الورود الاستوائية هذا الإقليم الدافئ الأخضر الفتيّ (من قصيدة جدران الحدود) أحاط شعر فروغ فرخ زاد جريانان متفاوتان من جهتين: كشاعرة متفحصة ومنقّبة عن كوّة من الضوء، أعوام وأيام اضطراب وحوادث موحشة بدون أن تستسلم المنشدة إلى العبث وطرق الحلول السليمة. في شعرها يفرشون ريشهم، ويمرون خوفاً وانحداراً. في شعر فروغ الحيرة واليأس وتهدّم أسس العلاقات الاجتماعية والفردية في عالم تتبدل فيه العلاقات على نحو مؤلم، والمعايير تتهشم دائماً من جهة، والحب والإيمان يلتقيان من جهة أخرى. وكلا الجهتين تنعكس أحياناً في إطار صور وإشارات معقدة ذات صبغة رمزية، وأحياناً بسرد بسيط وواضح. (فروغ) في مجموعاتها الشعرية (الأسير)، (الحائط) و(العصيان) مثلما يظهر في العناوين، معترضة ومحطّمة للتقاليد القديمة، وحتى نص (الخطيئة) له أيضاً أهميته الخاصة به. في هذا النص والنصوص المشابهة له تشير (فروغ) أيضاً بالنبرة البسيطة، ومع الشعر الذي لا زال في مراحله البدائية، إلى تهشيم المعايير. وفي النهاية فإن اعتراضها في (الأسير) و(الحائط) اعتراض فردي وخارج الأرضية الاجتماعية، وأما في إطار المسائل الجنسية فهناك عدم تكافؤ الرجل والمرأة هو الذي يحفزها إلى مخاطبة النساء: (قُمن ودافعن عن حقكنّ واسفكنَ دماء الرجال القساة..) ولكن بالتدريج تستوعب (فروغ) أن مشاكل الحياة فقط في المشاكل الجنسية، المكثفة والتي لا حل لها، وبالنتيجة فإن شعرها ينطلق أيضاً من التقييدات البدائية وأفكار وصور شعرها ترتدي لوناً آخر. في (ولادة أخرى، إحساسها باليأس هو نفس الإحساس المخيف لزمننا هذا، الإحساس الذي يلتقي فيه الشخص مع ذاته، إحساس مخيف بحيث يجتاز كل مكان وكل شيء. كتل المعزين ينتظرون تحطيم الجدران المرتجفة، وبقايا شعورها وإحساسها ينتهي أيضاً مع هذا التحطم والقلق والتخريب يصل إلى نهايته: الآن، في الليل شيء ما يحدث القمر أحمر ومرتبك وعلى هذا السطح الذي كل لحظة فيه هي خوف من التحطيم، الغيوم كأنها حشود المعزين تنتظر لحظة هطول المطر (من قصيدة ستأخذنا الريح) خوف التحطم لم يترك (فروغ) لحظة واحدة، هي ترى نفسها متلاشية من الداخل، امرأة على أعتاب الثلاثين من العمر (سن الكمال والنضوج للمرأة، على حدّ قولها) صدمت في شبابها، وشاركت في تقلبات الحياة عاليها وأسفلها مدة طويلة، أيام الفرح وبهجة الطفولة التي تذكرها (كل أعضائها تتفتح في حيرة بريئة): تلك الأيام السعيدة الطافحة بالفرح والنور والورود تتماوج في كل وجودها. والآن تمضي، لتصل إلى عتبة الفصل الباردة، الفصل البارد الذي يشير أيضاً إلى تعب الشاعرة، يشير إلى آلامها الخفية ومحيطها، توهم مزدوج ينهال كسيف ذي حدين، يهطل كغيمة مليئة بالمطر، نعم في الليلة الصغيرة هي قلق التحطم! شعر (فروغ) له جاذبية خاصة، صدق وحميمية المنشدة ينتقلان عملياً إلى القارئ وبالأخص الإعجاب بعدم خوفها من الإفصاح، تطرح إحساسها وفكرها بلا تعارف ورياء، وكلامها الجريء وغير المريح لا تطويه بورق التكلف والتصنع. وتعكس اعتراضات الزقاق والسوق المشمئزة في نصوصها: لفرط بهجتي ذهبت إلى جنب النافذة باشتياق.. تكدر الهواء من الغبار المبثوث ورائحة المكنسة والبول فآويت إلى صدري.. (من قصيدة -أيتها الحدود المليئة بالجواهر) (ولادة أخرى) مظهر تجلي الفكر والعاطفة الإنسانية الحميمة في صدد معرفة النفس. منشدتها في اللحظة التي تعرفت فيها على نفسها -بحدود ما عرفت نفسها- لا تبالي، لأنها في السنين التي أنشدت فيها (الأسير) و(الحائط) تهجمت على الزهد والرياء والرجال ذوي المظهر القاسي. الآن تشعر بكل وجودها، بثقل الواقع. وفي آخر نصوصها الشعور بالقلق بصل إلى ذروته. في حياتها اليومية لم تعثر على مفهوم عميق وإيمان مقنع، تتوهم نفسها عشبة نبتت على أرض خراب، ونبضها تورم من طغيان الدم. أحياناً انعكاس القلق في نصوصها له وجه مجنون، وأحياناً تطرحه كمريض، وتسترسل كوابيس (كافكا) و(صادق هدايت) المشؤومة، المثيرة للخيال والمرعبة في كتابي (المسخ) و(البومة العمياء). على خطوط السقف المعوجة رأيت عيني كعنكبوت ثقيل سام يتيبس في الرغوة، في الاصفرار، في الخفقان (من قصيدة -ادراك) (ادراك) هكذا أطلقت الشاعرة -برعب شديد- على هذا النص. (ادراك) نظرة حولها، إلى هذا الحد لا يوجد شيء يستحق أن يُتعلق به أو أن يفهم، لا جدوى، نظرة الرائي تنعكس إلى الداخل، تخرج العقد ويتضح الفشل، والإنسان المتلقي يجد نفسه أمام كينونتها وقلقها. عالم يتفتح في عيني الشاعرة من تلقائياً ويفقد معناه. ولحظات الحياة غير المجدية تأتي وتذهب من تلقاء نفسها، وتحمل معها همس المدينة المعطر بالتعازي. (فروغ) تتحسس تلك اللحظات، ترى العبث وتعرفه، بل حتى تتلمسه، ترى نفسها سمكة وقعت على الأرض، وطائراً بعيداً عن عشه. والقلب برأيها لوح مخدوش: كأنما طفل شاخ في أول ابتسامة والقلب -هذا اللوح المخدوش الذي غيروا خطوطه الأصلية كأنه حجر- لن يشعر بثقة (من قصيدة -لقاء في الليل) ليس الموت وحده هو الذي يشير للشاعرة بالعبث واللاجدوى، بل هي الحياة والمخاوف المجهولة التي تقرضها كفأر من الداخل بهدوء.. بهدوء، لا تستطيع أن تتقبل الحياة مع القلق، أنها حزينة لأنه ما من أحد يفكر (بالحب) و(الفتح) و(الجمال)، وليس ثمة أحد في صدد الوصول إلى الهدف الذي يقع في الجهة الأخرى من ذاته، الواقع المخيف في شعر (فروغ) يتكلم مع نفسه: كم هي أيام مرة وسوداء لقد قهر الخبز قوّة النبوة العجيبة وها أن الأنبياء جوعى ومساكين يفرون من أرض الميعاد (من قصيدة -آيات أرضية) أبيات مؤثرة، يكمن في داخلها أوجع اعتراف للشاعرة. فروغ في كل ذلك تبحث عن الإيمان، ومنه تستمد الحب. نصوصها الأخيرة عن الحب تدل على هذا. هي امرأة على عتبة الفصل البارد، تخاطب حبيبها وتقول له أنه (الحبيب، والحبيب الأوحد)، أنها سكرى من خمر الحب الذي لا تعرف كم عمره. وجه من تلك الجهة من النافذة يسأل: الحق مع مع؟ وتشاهدون أن الشاعرة تريد أن ترى جيداً من تلك الناحية، وتمتزج مع كل الأشياء بحب، مع الريح والنافذة وزقاق السعادة، وبالأخص مع حبيبها. حبيبها يتمتع بقدرة كاشفة، يعرفها ويعرف روحها وكل تقاسيم جسدها، في عالم مقلق ومرعب وعبثي كهذا، فإن حبيب المنشدة يدّلها على أصل الجمال. أليس الحب أعمى أيضاً كعوامل الطبيعة الآفلة؟ إذاً فالحبيب كالطبيعة وكالحب، لابد له من مفهوم صريح، ومظهره السعادة والتوازن، يثمر بلا نبأ مسبق، وبفشل العاشق (الذي هو امرأة) حتى تؤيد المرأة القدرة بصدق، هكذا شعر (فروغ): غناء دنيا مليئة بالغرائز المتكدسة. التلاطم في ضميرها يبعث نداءً كسلالة تبدأ من ذاتيها وتمتد أحياناً لتحطم حدود الوزن والقالب ويزيل تلاطمها الارتباط الظاهري للنظم في نصوصها، فتعرض الصور ببساطة مدهشة، تشعر (فروغ) إن في داخلها قد ولد إنسان طافح بالنور والحيوية، إنسان يستطيع أن يصنع عالماً شاعرياً جديداً. ولكن هذا العالم الجديد، هذا العالم المجهول الذي- تقريباً- لا جدوى من الوصول إليه، يعني الحب غير المسكون بل المثير للخوف أيضاً، شعورها بالحبيب شعور مزدوج، فهي تستسلم إليه وفي نفس الوقت تتصارع معه، الحب شيء جديد وغريب، أنه رابطة صماء تنوجد فجأة. الإرادة -حسب قولها- وجع مظلم، هي ثمن الحصول على الهدوء، في داخل هذا الشتات الحارق يجب أن نتفق مع لحظات الإرادة، مع هذا الوجع المظلم المتنوع ونعيش مع الحبيب كل اللحظات غير المجدية للوحدة. في الشقاء سعيدة وشقية في السعادة، في الحزن ترى الفرح وفي الفرح ترى الحزن، شيء معتم وغير واضح مثل (الإرادة) و(الحب). في لحظات العزلة يكتنف البشر شيء مربك ومبعثر كأصوات مبهمة، ترى في البعد إيقاعاً وكتلة مظلمة، وتسدل الصور على أعينهم ستاراً. ولكن عندما يأتي الحبيب، فإن الصور الغامضة تغدو أكثر وضوحاً والجوّ يطفح بالعطر والنور، لكن ظل وجع الإرادة المظلم واشتراك الألم واللذة يرمي ظله أيضاً: الآن أنت هنا تنبسط كعطر الأكاسيا يا للحسرة، نحن سعداء وهادئون يا للحسرة، نحن ملتاعون وآفلون سعداء لأننا نحب ملتاعون لأن الحبّ لعنة (من قصيدة -في مياه الصيف الخضراء) في نصها (كالعاشقين) والنصوص التي تتجه فيها إلى الطبيعة والحب والرجوع إلى الطفولة، تشير فروغ إلى الشعور الأنثوي الحاد. هي امرأة ترى أعضاء جسدها جيداً لأنها عاشقة ونادمة ولماذا لم تكن قبل ذلك عاشقة هكذا. الإشارات الجنسية بصور شعرية تتضح أحياناً في شعرها، وهذه الإشارات تحكي عن تقبل أمواج الحب والوصال التي تأتي وتعبر من رأس المحبين أمثالها. المرأة تتقبل وتتحمل. ضياء الحب يجب أن ينير كيانها ويحقق لها نوعاً من البراءة والإيهام. نوعاً من البراءة لا يستطيع أن يزيحها أي عائق وفشل، وهي إذا ما نظرت من زاوية الحكمة والعلم إلى موضوع الحب، تبتعد عنه، ومن أجل أن تتكامل يجب أن تستسلم، وتحترق بشعلة الحب الملتهبة. في شعرها استعارات متكررة تحكي عن الاستسلام والانطلاق والمحبة والثقة، لكنها تخرج أحياناً عن هذا النطاق لتقول بجرأة: إنك أنا، أنت والذي أحبه، وكنت الذي يجد فجأة في داخله مرة أخرى اتصالاً أبكم مع آلاف الأشياء المحملة بغرابة مجهولة وكل شهوة الأرض الحادة التي تمتص كل المياه في داخلها حتى تحبك كل السهول (من قصيدة -في شوارع الليل الباردة) فروغ تعيش في عالم الحب، تمزج شعرها مع تفاعلات الحياة العميقة، كأنها تبدأ سفراً واسعاً حتى تصل إلى لطافة وحلاوة عصر الطفولة السعيد المدهون بعطر الأكاسيا، الأزقة، الحارات، ودائماً تفرش ذكريات الطفولة أمام عينيها على خط مليء بالهيجان، قلقة إزاء لحظة الحاضر وخائفة من الغد المجهول الذي يجبرها على اللجوء إلى ذكريات الطفولة، الغد الذي فيه تساقط الحطام. وتتخيل المنشدة أن هذا العالم العبثي (سيغرق في فنجان شاي) إذاً فهي ترجع إلى الماضي على خط الحياة. في نصّي (تلك الأيام) و (ولادة أخرى) ترى نفسها طفلة في أرض الجنوب المشمس والأزقة المليئة بالغبار والتراب والقش، ولكنها مبتهجة، مشغولة باللعب مع من في سنها، تتذكر الصبيان الذين كانوا مغرمين بها في تلك الأيام. أنوثة ابتساماتها البريئة وأيضاً الخوف من الغد، والموقد المليء بالنار ونشيد الأواني النحاسية في سخام المطبخ، وإيقاع ماكنة الخياطة يخاطب مطالباً بالحياة الأسروية. من الواضح أن شعر (فروغ) ليس تعبيراً عن التأثيرات الفردية فقط، ولكنه ممزوج مع البيئة الاجتماعية، أنها -بطريقة ما- تعبر عن تأثرها الشخصي، حيث ترى دائماً التأثير الاجتماعي. هي قلقة على ما يحيط بها. ورؤيتها في نصيها (أيتها الحدود المليئة بالجواهر) و(الدمية الآلية) تتمثل في النظر إلى ما حولها. كل ليالي الخوف تكدر شعرها، وهي، بذكاء، تمزج ساقية شعرها مع نهر الناس المليء بالحركة والتدفق، وتحكي قصة الناس المليئة بالحزن، الذين يعيشون في المستنقعات ويشاهدون زوالهم. وهي حتى في الغربة والعزلة ترى طريقاً وتتألم لأنها لا تنتظر (يوم الظهور) ولا يوجد شيء نبيل يحرّك الناس، لا تريد الموت في المستنقع ولكن، ليحلق طير السعادة نحو الضوء، ويدها مع يد الحبيب تصنعان جسراً من البشرى والنور والعطر والنسيم فوق الليالي!. فروغ تحب كل بسيط وأصيل، حديقة الورد، الشارع المليء بالمطر، الطفل الذي يرجع من المدرسة إلى البيت، النظرة الخجولة للوردة، إيقاع ماكنة الخياطة المؤلم، الحب الذي يخبئ نفسه في تحية خجلى. كل هذا عندها يستحق الثناء. شعر (فروغ) يصطبغ بالاستعارات والصور الجميلة، وأحياناً يكون نصها كل صورة، وهذه الصورة ليست من صنع خيالها فقط، بل لها ارتباط عميق بالواقع. فروغ لا تستدرج شعرها إلى الفكر والأحاسيس المجردة، بل أنها أحياناً تطرح الواقع بصراحة وأحياناً بجمالية جديدة، نموذج نصوصها التصويرية (الوردة الحمراء)، (نشيد الجمال) (تتشمس).. ففي هذه النصوص ترى الحداثة والطراوة التي تنبعث من عمق الواقع والبحث عن الإبداع الأصيل. فروغ تعرف أن الشعر استغاثة الحياة، وشعرها صراخها، صراخ من كان يعيش بصدق. وتدوين الشعر حاجتها الداخلية. أنها -حسب قولها- ملاك صغير حزين يعزف قلبه بهدوء.. بهدوء بناي صغير، ملاك صغير حزين يحتاج من كل وجوده إلى العطف والحب. عبد
العلي
دستغيب ناقد
ومترجم
إيراني
شهير. وهذا
النص النقدي
مترجم عن
كتاب (خلود
فروغ).
|
|
|