|
درس
هنيئاً
لمن يسكن في
وطن معروف
حينئذ، على
أرض ثابتة،
تضيء له
سماؤه بصورة
أجمل.
هولدرلن
يخيّل إليّ
اني منذ
غادرت، لا
أستطيع ان
أكون شاعرا
إلا إذا كنت
في العراق او
استحضرته،
أنا الذي
هربت منه
مشيا على
الأقدام
عابرا حدودا
مزروعة
بالألغام،
فارا كأني من
طاعون أهرب،
وفي خاطري
أني لن أعود.
كنت صغيرا
جدا لأن أعرف
العراق او
لأحبه. كان
ذلك أواخر 1989،
وكان عمري 22
سنة فقط. حدث
ذلك قبل ان
يدوّن ما لن
ينمحي في ما
بعد من كوارث
ستحيق ببلدي
الذي لم أكن
أحب.
في الليالي
الأولى لي في
إيران أحسست
أية فاجعة
حلت بي، كنت
فريسة نوبات
حمى ألزمتني
الفراش
لأكثر من
شهر، أخيرا
بمشقة وطول
بكاء تصالحت
مع فكرة اني
فقدت وطني
والى الأبد.
والآن؟
بعد كل ما حصل
لا أعرف
حقيقة مغزى
هذه القصة،
لم حدث كل
هذا؟ وأيّ
درس عليّ ان
أفيده من
حكاية
اقتلاعي من
وطني فتيا
وعودتي إليه
مترعا
بالخسران؟
أم لعل الأمر
كله بلا فحوى
وليس من دروس
تلقى؟
لا أدري، لكن
الختام
العابث هذا
هو أسوأ ما
يمكن تخيّله
من نهايات: ان
يقال لك بعد
أربعة عشر
عاما من
التشرد
والفاقة
والجوع
والتقلّب
على أسرة
الأرق: عدْ
الى وطنك،
فقد تحرر.
لقد كان
منفانا
طويلا وكان
علينا ان
نسأل، كان
علينا ان
نستنطق
أنفسنا
لنعرف ما هو
الغريب الذي
فينا؟ ما هو
الخارجي
الذي شاركنا
سكننا؟ لم
أصبحنا
هكذا؟
لكن لا أحد
سأل.
بعضنا تشاغل
بثقل ذكرى
العراق
ليكتبها،
والبعض
الآخر كانت
الذكرى لديه
أفدح من ان
تُكتب
فألجمته
ليخلد الى
صمت يعاقب به
نفسه على
تفريطه
بالعراق.
أفهم الآن
جيدا
التعبير
الذي قاله
كمال سبتي
مرة حين وصف
خروجه من
العراق بأنه
خروج شعري. إذ
على النقيض
من الأجيال
التي
سبقتنا، فتح
جيلي عينيه
وقد شُطفت
أرضية الوطن
من آثار دماء
الشيوعيين
والإسلاميين،
فلم نكن من
هؤلاء ولا من
هؤلاء، وكنا
شعراء فلم
يكن
بمقدورنا ان
نكون بعثيين.
هكذا ظلت
الكتابة
الشعرية
مناط ظهور (معارضتنا)
وشرط تحققها.
لهذا ليس
غريبا ان تجد
من يدافع عن
نمط كتابته
بالحيوية
التي تراها
عند من يدافع
عن عقيدته
الحزبية او
مسلّماته
الأيديولوجية،
ولهذا أيضا
تجد ان مجلة
عراقية
أصدرها بعض
مجايليّ في
هولندا رفعت
على غلافها
هذا الشعار
الذي يحمل
ايقاع
الشعار
الحزبي وإن
ناقض فحواه
تماما: (الشعر
وطننا
الأوحد).
خرجنا من
العراق
مدفوعين
بالشعر
الوطن
الأوحد، لكن
لم يدر
ببالنا اننا
في المنعطف
القادم سنرى
ان العراق هو
الاسم الآخر
للشعر،
وأننا لن
نكتب بعدُ
إلا ونحن
نستحضر (حسن
العجمي) و(أبو
داود) بشايه
المحروق،
والأمسيات
الشعرية
اليومية
وغير
الرسمية في
المركز
البريطاني،
الليالي
السكرى في
اتحاد
الأدباء،
سخريتنا من
شعراء
المربد
العرب ذوي
البدلات
الرسمية،
والمشي
لساعات بلا
كلل في ظلال
أشجار
الوزيرية.
وأنا من أجل
ذلك كله
سأعود، حتى
لو قيل لي ان
ما ينتظرني
هو ذات الذي
كان ينتظر
بطل فاضل
العزاوي في (آخر
الملائكة)
الذي عاد ولم
يجد إلا هباء
أحلامه.
سأعود لا
غائما ولا
منتصرا ولا
قابضا على
سرّ ما، بل
إمعانا في
الخسارة
سأعود،
وتحقيقا
لنبوءة
قلتها صبيا:
دائما كنت
أمضي هناك
وأشعر أني
هنا
ربما حين
أبقى هنا
سوف أشعر أني
هناك.
مفزع ان تكون
هنا
مفزع ان تكون
هناك.
سأعود لأني
منذ خرجت لم
أستطع
التآلف مع
أوطان طارئة
وزائلة.
سأعود لأكمل
هناك سؤالي:
ما هو الغريب
الذي فينا
نحن
العراقيين،
ولم يحدث لنا
كل هذا؟
ثم من قال انه
لا درس ولا
مغزى في
حكايتي،
بالعكس لقد
حدث لي ما
يشبه
المعجزة:
عرفت العراق
وأحببته.
نشر
هذا المقال
في صحيفة
السفير
البيروتية
|