............................................................

 

 

أربابُ جمشيد


1

الحقيقةُ أنهم أنزلوه إلى حفرته وهو يتمتمُ: ما طبكم .. ما دواؤكم؟

الحقيقةُ أن أخته تركتْ ربيعها وراء ماكنةِ الخياطةِ

وتبعثرتْ أمامَ المرآة تشدُّ حجابها

الحقيقةُ أن أخاه يثمرُ لصْقَ الحائطِ ويكشفُ في الظلّ عن معتقداته،

الحقيقةُ أن أمه تتعثر دائماً بأباريقها،

غير أنّ الحقيقةَ لا يمكن سردها ولا توصيفها

الحقيقةُ هي الموقفُ الذي يخترق نظامَ السرد.

 

2

ولتسردْ ما شئتَ

فللموتِ أربابُه

ولجمشيد أربابه أيضاً

وها آباؤكَ منذ الفجرِ يجرجرون أمعاءهم على الثلجِ البائد

مهتوكين بظلمة اليقين،

بالخطوات التي تؤرخُ قيامةَ الضلعِ المحنيّ على جنينٍ مُمتَحَنٍ بملائكة العطب،

بينما الجسدُ آية محرّفة،

بينما الأمّ ممرٌ للطيور الكسيرة

والأب ممحوٌّ بحضوره،

محفوفٌ بهتافات الغد الأحدب

مظلمٌ وليس يضيئه إلا الرعد

الرعدُ

الهزيل

الهائم

الذي يهتز تابوته في كتابي،

فبمن أكترثُ بعد ذلك؟

برنين قبورك التي ترفرف يائسةً وتضحك منها ملائكةُ الدموع؟

بجنّةِ الرمل؟

بإسطبل الصلاة؟

أم بجمشيد،

يتلفُ آباءه وينشرهم قميصاً قميصاً،

وها، عارياً مع كل صلاة،

عارياً بعد كلّ صلاةٍ،

توجزه الريحُ

ويرويه الأبُ المائلُ على السياج المائلِ في انقضاضه الوشيك.

 

3

وشيكاً سيهتفون: ما طبّكم .. ما دواؤكم؟

وشيكاً سينقضّون كلاً بحكمته المرمريةِ آخذين الفجرَ

أخذَ آباءٍ يمتحنون أبديةَ الثلج البائد بجنينٍ مدمّى

وضلعٍ مكسور

 

وسينزلون الحلبةَ مع هتافٍ وحيد

لشمسٍ وحيدة تعيدُ عليهم الغدَ ذاتَه

حيواناتهِ وتماثيلَه،

وسيرتجفون لديمومةِ الريح

سينحنون لأبوّاتٍ سوداء تتراشق نوافذُها بأبناءٍ طالعين توّاً من الكتفِ العاري

وسينهزمونَ

الهواءُ سيهزمهم

الراياتُ المنكّسة بحنوٍّ في المنعطف الحاني ستهزمهم

جمشيد، يثمر لصقَ الحائط ويكشف في الظل عن معتقداتهِ، عن أوبئتهِ

سيهزمهم

يتلفهم ثم يعيدهم

 

4

أتلفهم ثم أعادهم رسلاً عاطلين، غرقى منتفخين تشمّسهم العيونُ الحزينة

لكنهم مع ذلك سيأتون كلاً بخفقانهِ وأسلحته:

سائقُ الرعد إلى الشرفات الواطئةِ فلا تتفقّس الأجسادُ إلا بأذنه سيأتي

رومانُ فتّانُ القبورِ سيأتي

وسيأتي الغرقى الهاطلون مع المطر

والحدادون الذين يزنون الظلَّ بميزانِ اليقظةِ

والهائمون في الحدائق الضائعةِ مع أطفالٍ ضائعين

وسيأتي أيضاً ملائكةٌ مرضى

يقرعون أجراسَ رائحةِ الشفاءِ في رأسِ جمشيد

 

5

رأسُه الذي شمّسته العيونُ الحزينةُ …. من أين؟

يداه اللتانِ تقرآنِ الينابيعَ…… إلى أين؟

قلبه …..متى؟

 

6

متى تتقدّمُ هذه الصحراءُ لتنكشفَ لي إشارةُ حيوانها انكشافاً تسقط به قواها

حتى لا يبقى ذو روحٍ إلا ونارُ غيابي قد أحرقتْ ظهورَه

متى شيخُ القراءةِ ينجزني معافىً من الأمل

بريئاً كفمٍ يريد أن يقولَ: ماذا ستعطيني؟

 

 

7

_ مئذنةً أم فراشةً محترقة؟

هكذا أبدّدُ بنات الفجرِ الطالعاتِ من شفقِ الرغبة مقروءاتٍ بألسنةٍ سامةٍ

كأنهن مصائدُ يخبّئها الزائلُ للزائلِ

_ ماذا ستعطيني؟

إن لم يكنْ إلا مساؤكَ يغلي ومآذنك تستنطقُ النائمين

فلتكنْ ردماً في سياجٍ سينقضُّ أو جرساً في عنقِ ثورٍ مذبوح

_ ماذا ستعطيني؟

مئذنةً تجرجرها فراشةٌ محترقة.

8

أحرقتُ مآذنكَ وحطبتُ قبابك

وتدليتُ إليك مجلوّاً بالكلامِ

مهتوفاً بي من مكانٍ بعيدٍ

كأنني قبرٌ يرفرفُ يائساً وتضحك منه ملائكةُ الدموعِ

أنتَ مكتوبٌ بسطوات المعدنِ ويقرؤكَ من يشاء

وأنا الحارسُ على شعبٍ سكران

هتكتْني إليك ثيابي

هتكني إليك المغيبُ

هتكتني يمامةُ الخجلِ الأحدبِ فتكوّمتُ أمامكَ

أسيرُ بك منقطعاً إليّ

أقولُ: متى تتهدّم وتتكوّمُ على ركبتيك أجراسُ النهار؟

تقول: متى أشبع من تلاشيك لأقرأك؟

 

مكتوبٌ بسطوات المعدن

ويقرأ من يشاء.

 

9

وهذه مشيئتي:

أحيّيك بما لا أطيقه

بالأقاصي التي ينسجها الكلامُ

أؤمنُ بك وأنتظر قيامتَك أيها الجسدُ

يا آيةً محرّفة

 

10

- أتؤمنُ به؟

- الشياطينُ تؤمنُ به

وتقشعرُّ له

 

11

لذلك أؤمنُ وأقشعرّ

لذلك أبكي

 

الواقفُ في فراغ النافذة

تومئ له النهاراتُ بمناديلها الألف،

العابرُ تحنو عليه الغيومُ

ويشتملُ عليه شمعدانُ الدموع،

للرعدِ الهزيلِ الهائمِ الذي يضيءُ حاجبيهِ

لملائكةِ اليأس المرفرفة على أكتافه، أبكي

لأجله أبكي.


إيران 1992