............................................................

 

 

أمةٌ بلا رأي

عن أكذوبة الرأي والرأي الآخر


 عبارة (الرأي الآخر) المسفوحة هذه الأيام بكثرة في صحف العرب وفضائياتهم، تستبطنُ بحسب منطوقها وجود رأيٍ أوّل هو المحرّض على استيلاد هذا الرأي الآخر. فما ثَمّ (رأيٌ آخر) إلا في مواجهة رأيٍ ناجزٍ يجيء هذا الآخر ليضادّه.

وهي عبارة أريد منها أن تكون علامة على وجود جهود متباينة لذواتٍ لها القدرة على تكوين آراء وتداولها والدفاع عنها.

الرأي والرأي الآخر، تبعاً لذلك، يشير إلى الذات والآخر مباشرة باعتبارهما فاعلين يمتلكان الإرادة والحريّة اللتين هما شرطان لكلّ رأيٍ ممكن. حيث ان غياب الإرادة يجعل الفكرة المتلفظَة أو المكتوبة أدنى من أن تكون رأياً، يساويها بالهاجسِ أو التهويم الخالي من التدبّر. أما غياب الحريّة فهو نقض لكلّ رأيٍ، إذ الرأي والإكراه لا يلتقيان.

 إذا شئنا أن نتفحّص ما تلوكه ألسنةُ المسلمين اليوم عن فكرة "الرأي" وفق هذه المسلّمة فسوف نجد أننا ـ كعادتنا في التعامل مع كلّ فكرة وافدة ـ قبضنا عليها، أفرغناها من معناها الحقيقيّ ثم أتلفناها بكثرة الترداد حتى باتت لغواً، أيْ شعاراً، إنها كالحريّة التي لم تعدْ تستطيع العيش بين ظهرانينا بعد أن حوّلناها ـ بالهتاف والتنظير ـ إلى رطانةٍ سياسيّة. فللآخرين حريتهم المنقوصة التي يحيونها ويعيشونها ويرفدونها بالممارسة تصحيحاً ونقداً وتجريباً، ولنا حريتنا المطلوبة أبداً في مظاهراتٍ وشعارات وكتبٍ حزبيةٍ وقصائد جعلت من الحرية حمراء لها باب لا يُدقّ إلا بيد مضرجة بدم.

والآن حان دور هذا الشعار (الرأي والرأي الآخر) لنحيله رميماً لفظياً.

 

هل في الإسلام رأي؟

النواة الصلبة للإسلام النابذة لكلّ جديدٍ، هي ما مجّده المسلمون طويلاً باعتبارها الحافظة لهويّة أريد لها أن تتأبّد. نواةٌ هي في آخر الأمر حشد مقولاتٍ راسخة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، كلّها تصبّ في إبطال أهمية كلّ وافد، إنْ لم يكن بنقضه فبادعاء تملّكه ثم تغيير وظيفته وتحويلها إلى وجهة أخرى لا تمسّ هذا النطاقَ الفولاذيّ المصنوع من مقولاتنا الألفيّة الخالدة.

ننقض ما جعله العِلمُ بديهيّة لا شكّ فيها، لسبب وحيدٍ هو أن كلّ ما لا يرقى إليه الشكّ يجب أن يحوزه العِلم الدينيُّ لا سواه، مثال ذلك عدم اقتناع كبير علماء السعودية بكروية الأرض، أو ذلك الكتاب الذي ينبئ عنوانه عن محتواه، وعنوانه هو (السيف البتار على من قال ان المطر من البخار).

وإن لم يكن نقض ذلك ممكناً رحنا نفتش عن أوراق رسمية تبث عائديته لنا، مثال ما يفعله الدكتور زغلول النجار المهموم بنظرية الاعجاز العلميّ للقرآن الذي جعل من الكشوفات العلمية، لكنْ من آيات القرآن أيضاً، صوراً كاريكاتيرية.

الرأي، بوصفه نتاج ذات إنسانيّة، لم يكن له حيّز طوال تأريخنا، بل إنّ هذا اللفظ ارتبط دائماً بكل ما يؤدي آخر الأمر إلى المذموم من الفعل، فمن فسّر برأيه فقد هلك، ومن أفتى برأيه فقد هلك، وهو أمرٌ له علّة بيّة تتمثل في أن ما يبتنى عليه الإسلامُ لم يكن ذا طبيعة إنسانيّة، فليس وارداً أن يَسأل أحدٌ ما عن رأي الله أو الرسول أو القرآن،  بل عن حكم الله الوارد في القرآن والذي أبلغه الرسول.

أما العلوم الدائرة في فلك الكتاب والسنّة فهي رغم منشئها الإنساني (أي حيازتها للإرادة) إلا إنها كانت على الدوام مشدودة إلى تتبع مقاصد الكتاب والسنة، فإذا كان هناك رأيٌ فيها فهو رأي الشرع الذي هو مطلوب المسلم على مرّ الدهور.

 هكذا يبدو تحت التملّي العميق أن الرأي ظلّ على الدوام شيئاً فائضاً عن الحاجة، مادام كلّ جهد المسلم، كل ما يتلفظه ويكتبه ويفكّر به مشدوداً لاشتراطات هذه النواة الصلبة، خاضعاً لاكراهاتها. من هنا التقديس الذي ينْظر به المسلم إلى كلّ آنات التأريخ الإسلاميّ ، لأن هذا التأريخ كان أشبه ما يكون بعملية تمّتْ وأُنجزتْ بدون تدخّل الذات الإنسانيّة، وما الشخوص الذين ترِدُ أسماؤهم في مدونات التأريخ إلا عناصر مؤديّة لحقيقة ناجزة سلفاً، فبقدر تطابقهم مع النصّ الأصليّ يحوزون قداسةً، وبقدر خلوّهم من صوت خاصّ بهم يزدادون إبانةً عن مقصود الشريعة الذي لا يمكن أن يكون رأياً بل هو أمرٌ يستدعي من لدن المخاطَبين به إذعاناً وتلبيةً.

هذا التطابق مع الأصل عبّر عنه الإمام الصادق بقوله (هلك أصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، ولو علم الناس أصلَ الخلق ما اختلف اثنان).

ليس الإنسانُ موضوعَ تساؤلٍ دينيّ لجهة وعيه وحريّته ، بل كان موضوعاً لهذا التساؤل لجهة مسؤوليته فحسب، مسؤوليته في تأدية حقيقة دينيّة أريدَ لها أن تكون وراء كلّ قول وفعل ممكن.

هكذا لم يعد للمسلم من صوت، فليس له كلمة ذات سند حقيقيّ إلا إذا كانت تكشف عن مرجعية مقدسة تمثّلت في أقوال القرآن وتفاسيره وأحكامه، وليس له من فعلٍ سويّ إلا إذا كان يمتّ بسببٍ إلى زمن الوقائع الأصلية المقدسة، زمن الرسول، قوله وفعله وتقريره (وهذه هي السنّة).

 

نفوذ الأمس:

   لا رأي إذاً، فعلى الدوام حين يكون الفرد عاجزاً عن استخدام فهمه الخاص دون تدخل الآخرين لا يعود الرأي ممكناً (على ما أبان عنه كانت في رسالته ما الانوار)، بل يحلّ محله العجزُ الذي قد تكون له أقاوبل متشبهة بالآراء لكنها لن تسهم إلا بجعل الفرد مندغماً مع المجموعِ الذي يحمل هذه المهمة الملحميّة على عاتقه أبداً: رسالة السماء، رسالة الأمة، أو حراسة الهويّة من التلف.

وهذه الأعاقة (غياب الرأي) ترسختْ أكثر فأكثر بسبب السلطات الحاكمة التي كان من مصلحتها استثمار القداسة المنطوية في تسفيه الرأي الإنسانيّ بإزاء مقاصد الشرع وطرق الوصول إليها (أي كل ما يشكّل الحقيقة المشرفة من عليائها على الجميع والتي هي أكبر وأكثر قدسيّة من كلّ ما يمكن للإنسان أن يجترحه).

لم تكن الغايات وحدها هي موضوعات هذه الحقيقة ولا المقاصد الشرعية فحسب وإنما الجملة المكوَّنة من الوسائل ومن التبريرات والإعدادات الثانوية كذلك، فنحن لم نعطَ القدرة على التحكّم بتخليق الغاية من الحياة أو إبداء رأي فيها، تلك مهمة أعفتْنا الأديانُ من إتعاب أنفسنا في ملاحقتها، إلا اننا لم نُمنَحْ القدرة على تجريب الوسائل للوصول إليها كذلك، أي لم نعطَ كلّ ما هو في وسع الإنسان وفي محيط اجتهاده وقدرته، فإذا كانت العدالة والمساواة في الدنيا والخلاص في الآخرة هي غايات الإسلام فإن طلب هذه الغايات لا يمكن أن يكون متبايناً بتباين الناس منوطاً بآرائهم وإلا بطل عقد المجموع وانتفت الحاجةُ إلى نصّ أولّ تُغتَرَف منه الأقوال، وزمنٍ أصليّ تُطابق معه الأعمالُ، وشخصياتٍ ـ رموزٍ كانوا سلفاً صالحاً عند قوم فهم (كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم) إذ لا هداية إلا بالاقتداء، وهم معصومون عند آخرين، والعصمة هي خزانة الأفعال المقدسة الواجب التماثل معها.

هذه الهوّة المأساوية بين عيش الواقعة (التي لا ترحم من به هذا العوَق والتشوّه العقليّ المتمثل بتغييب الرأي) وبين نشدان المُحال هي التي كانت تضخّ على الدوام أعرافاً تضفي طابعاً أبدياً، بل قدسيّاً، على غرائز منحطّة، لا لشيء إلا لأنها وقعتْ في زمنٍ تقدّس كلُّ ما فيه ومَنْ فيه من شخوص ومعتقدات.

ولا عجب فلو تُرك الإنسانُ ووسعه أي وما يمليه عليه وقته لعرف عمقَ مقولة ماركس: (إن الإنسانية لا تطرح على نفسها إلا المهامّ التي يمكنها حلّها، بل إن المهامّ لا تظهر إلا حين تتوافر الشروط الماديّة لحلّها أو انها على الأقل في طور التكوّن).

غير أن نفوذ الأمس الذي كانت السُنّةُ أجلى تجلياته مَنَحَنا المهمّةَ والشروطَ الواجبة لتحقيقها معاً، وهذه المهمات والوسائل شكّلت على الدوام بنى غير قابلة للإرجاع إلى مقولات إنسانيّة بل هي ركائز لا تمسّ، وبها يتمّ تفسيرُ كلّ ظاهرة مستحدثة.

  

عجزٌ وأهداف ملحميّة:

مأساوية الفكرة الإسلامية (كما في التيّار الجهاديّ اليوم) أنها قائمة على مصادرة لا سبيل إلى الفكاك منها، مصادرة تتمثل في أن الحلّ الذي يقترحه الإسلام يمكن أن يتمّ بلا رأي إنسانيّ، بدون تدخل ذات فاعلة قادرة على تكوين آراء، بل هي يلزمها لتتحقق، مجموعةُ ذوات مؤدية لفعل الحقيقة كما عرفناها وألفناها إلى الحدّ الذي باتت (معروفاً) والحياد عنها هو (المنكر).

 خذ مثلاً تلك الغريزة التي كانت سبباً في جرائم (الزواج) من فتيات لم يبلغن العاشرة من أعمارهنّ، لنسمّها غريزة (لوليتا) استذكاراً للعمل الروائيّ العظيم الذي كتبه فلاديمير نابوكوف، تجد ان هذه الغريزة تتفتّح في المناطق التي يكون للمجاهدين سطوة عليها، في أفغانستان سابقاً (والقصص على ذلك مؤسية إلى حدّ ان فيلماً أفغانياً شهيراً تناولها وسنتطرق إليه لاحقاً)، وفي إمارة الفلوجة الإسلامية اليوم يحدث الشيء ذاته، على مارواه آباء هاربون ببناتهم الصغيرات من شبقِ المجاهدين.

مع غياب السلطةُ وانكسار الشِرعة الأخلاقيّة التي كان القانون يسهم في تكوينها، ينسحب الحسُّ الإنسانيّ "المستقى أساساً من ثقافة الحاضر وأنماط فن العيش الحديث"، ينكسر كلّ ذلك لتظهر الحقيقة عارية، الحقيقة التي تنصّ على أن لا حقّ ولا رأي ولا أخلاق إلا ماكان مستمدّاً من الشرع. والشرعُ لا يخالف إغتصاب هاته الفتيات، بل يحضّ عليه بدليل أن الرسول نفسه تزوّج عائشة وهي في عمر هذه البنت التي زُوّجتْ عنوةً (في فيلم أسامة) من شيخ طالبانيّ كأنه الشيطان.

لو جادلتَ مسلماً عن هذه المسألة وأردتَ أن تصلَ وإياه إلى أمر سواء، أن تشجب الفعل وتنزّه شخص الرسول الكريم في آنٍ واحد، ستقول له: أن الرسول إنما فعل ذلك لأنّ عُرفاً وقانوناً أخلاقيّاً آخرَ مختلفاً جعل من فعله مستساغاً آنذاك بل وربما مرغوباً، وان هذا النظام الأخلاقيّ انتفى الآن ولهذا يبدو الفعل لا إنسانيّاً، ستجابَه بهذه النواة الصلبة التي ترى في فعلٍ أرتُكِبَ قبل ألف وأربعمائة سنة ملزِماً هو وكلّ ما يحفّ به، هو ومتعلّقاته، دون أية إمكانية لتأويله، أي دون إمكانية لتدخلٍ من رأيٍ إنسانيٍ كان على الدوام وما زال مثارَ سخرية.

 

المعجزة الجديدة للإسلام:

الحريّة ذات معنى تأريخيّ ولهذا هي فاعلة، لكنها فُهمتْ لدينا على الدوام باعتبارها إفلاتاً من نظامٍ ما، ولا عجب بعد ذلك أن تكون الحريّةُ هي التي أملتْ على الشيخ ابن لادن قتلَ اربعة آلاف إنسان. هي حريّة الخروج من نظام أخلاقيّ ما، وكم تُماثِلُ هذه الحريّةُ اللادنية حريّةَ أحزابنا القوميّة، بل حريّة الحداثة الأدبية لدينا والشعرية منها تحديداً، غير ان لذلك حديثاً آخر.

الحريّة والرأي الإنسانيّ الحرّ والمسؤول يفضيانِ بالضرورة إلى إعلاء كلمة الإنسان فوق كلّ كلمة، وما مصطلح الإنسانية الذي  اجترحه الغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر وكان يعني (الجهد المبذول لرفع الكرامة الإنسانيّة) إلا نتاج عصر الأنوار الذي افتتحه "كانت" بتأكيده على أن للانسان مكانة مركزيّة لأن له القدرة على انجاز أفعال حرّة وإرادية، أيباختصار لأن له رأياً.

 هذه القوّة الخارقة التي أغفلناها بعونٍ من عوقنا التأريخيّ هي القادرة على بناء العالم، وبغيابها نفتح الباب مشرعاً لكلّ الهوامات المتوّلدة من عجزنا العميم وأهدافنا الملحميّة الكبرى، هذه الهوامات لن تجد متنفَساً لها إلا باخراج الغرائز البدائيّة إلى النور وارتكابها بوصفها أفعالاً مقدسة.

إضفاء القداسة على أحطّ الغرائز سيكون هو شكل حريتنا الجديدة، فنحن أحرار بمقدار ما نكسر نظاماً أخلاقيّاً لم تقدّسه الكتب ولا السنّة. بل سيغدو الأمر أشبه باجتراح المعاجز. فاذا ما عرفنا مقدار الكراهية التي يبديها الجهاديّون لكل معنى باطنٍ وعميق في الإسلام (هذا العُمق كان مادة الكرامات على مر التاريخ) ككراهيتهم للتصوّف مثلاً، ورسالة الزرقاوي في ذمّ الصوفية معروفة حيث وصفهم بقوله (وأقصى همّهم حلقةُ ذِكْر وعشاء دسم يعقبها)، إذا ما أدركنا هذه الكراهية لكل فعل وقول عميقين نعرف ان الإسلام الجهادي يطلب معجزته في هذه الأفعال المناقضة لنظام أخلاقيّ أنسانيّ (انسانيّ لأنه نتاج آراء إنسانيّة هي التي خلقته) وغير مرغوب (غير مرغوب لأنه غير منصوص عليه).

كانت المعجزة في ما مضى خرقَ الطبيعة، وهي اليوم خرقٌ للأخلاق.

كراهية المسلم المجاهد لنظام الإنسانية الأخلاقيّ نابعة من هذا الجرح الذي لا يندمل: أن مقولات العدل والمساواة التي نادى بها الإسلام بل الأديان بعامة يمكن أن تؤدى وبشكل فعّال ومثمر بطريقة ليستْ إسلامية، أي غير منصوص عليها، أي غير مقدّسة.

هذا الأمر جعل من رأسمال المسلم الروحيّ خاوياً (ورأسماله ليس سوى مقاصد الشرع وطرق تأديتها التي هي الحقيقة كلّها).وهو ما خلق بينه والعالم هوّة لا سبيل إلى ردمها إلا بمزيد من العنف وتفجير الغرائز كلّها وتقديسها.

فبعد غياب كلّ ممكن، بعد أن تغلق الأبواب، لن يكون هناك إلا الرأي الذي يمكن أن تتداوله ذوات حرّة وفاعلة ومسؤولة، هو المنقذ من الضلال.

 دون ذلك سيظلّ اليأس المؤدي للموت، إذ اليأس ممكن في كلّ الأحوال.

وهذا اليأس هو ما يغترف الإسلاميُّ من ينبوعه المسموم الذي لا ينفد.