............................................................

 

 

عنقاء المُغرَب


طفلٌ لاعبٌ باللاهوت يجادلُ عن تأريخه في شقِّ جدار

وجهٌ يطلّ من النافذة باكياً:

تنفستُ هواءَ الفجرِ قبل أن تلوّثه أنفاسُ العامّة

تنفستُ هواء الفجر بعد أن لوّثته أنفاسُ العامّة

قـرأتُ كـتابَ أصـولِ الفـقـه

ومحوتُ اسمي من بين الأسماء

لقد نجوتُ.

 

جيوشٌ عتيقة تريد أن تتنفّس على حسابي

أسرى يريدون أن يدخلوا الجنّةَ بعينينِ مغمضتينِ

لكنّي عندما أكملُ كتابي

سيكونُ كلُّ شيء كما لو لمعانُ قريةٍ منكوبةٍ على حافّة الفجر،

عندما أكملُ كتابي

ذهبٌ حزينٌ، دمٌ أشقرُ يتصبّبُ على العتبة،

سرجنارُ وألفُ عامٍ من الصبيةِ يتهامسون في ينبوعٍ مختوم،

وسأولدُ

من لا أب يستعير ألسنةَ الظلمات ويوردُها في غيرِ موردها،

ومن لا أمّ مثل عنقاءِ المُغْرَبِ تجرجرُ تماثيلَها إلى المطبخِ،

سأولدُ لأرى الجنّةَ في ثنايا جنّةٍ ملفوفةً بالخِرَقِ ومقذوفةً من النافذة،

سأولدُ لأشمَّ رائحةَ عبيدٍ مصفّدينَ يخوضون في أهوارٍ جافّة،

من أجل هندسةٍ عمياء تقول الحقُّ معي، سأولدُ

من أجل قفلٍ في باب عدوّي يقول: اغفرْ لي أنا الخاطئ، سأولد

 

فمن هذه الأنقاض،

من بابلَ وأسباطٍ يتفسّخون في الكتب،

من رعشة صبيٍّ تائهٍ بين البرديّ،

من صخرةٍ مسبيّة تدفنُ كلكامشَ في أحشائها لئلا يستدلَّ عليه أحدٌ،

 

من ذلك كلّه يولد أحمدُ نظيفاً ومقموعاً

وكلُّ شيء يلقّنه الذهبَ والماءَ الباردَ ويقول له: لا تكبرْ

 

كلُّ شيءٍ طبلٌ يائسٌ في أذنيهِ

وسجادةٌ تثرثر أمام عينينِ ذابلتين،

 

أما الأبُ

الضاحكُ في مقبرة النجف ورأسُه يدارُ به في بغدادَ،

الصاعدُ إلى قرآنهِ ساحباً مجراتِه الخمسَ

فهو الضريحُ وقد تماثلَ أخيراً للشفاء،

 

ولكلٍّ ولادتُه هذه الليلةَ:

قبضةُ اللهبِ اصطلتْ بها كوثرُ وحسدها عليها الكروبيونَ،

كتابُ أصولِ الفقهِ تواريتُ به من سوء ما بُشرتُ به،

أمي تلتفتُ بشمعدانها لتضيءَ الموتى،

وأنا أجادلُ عن تأريخي في شقِّ جدارٍ

وأبديتي ليومٍ واحدٍ فقطْ،

 

ليومٍ واحد فقط أردتُ أن أولدَ

وان أكونَ أخاً لي يخصني بالنومِ وقعقعة السلاحِ،

أردتُ أن أولد لأكون ملاكاً يصفّق لي إلى أبدِ الآبدينَ،

 

غير اني عندما أكملتُ كتابي

خرجتُ من الأكاديميةِ وعلى كتفيَّ كنيستانِ تتقاتلانِ

وفي ثوبي رائحةُ جنديٍّ هاربٍ من الخدمة العسكرية،

 

وشيئاً فشيئاً سُقيتُ من نبعك النائمِ،

أيها الجسدُ الذي لا ينام ولا يستأنس بخرائب أبنائه،

يا من تتعثّرُ بأنواط شجاعتك

لا تلتفتْ

فلعلّك متَّ

لعلّ الرعبَ الذي يرقّقُ قلبَكَ إمامٌ غائبٌ يتلّوى في مستشفىً مريضٍ،

لعلّ شمساً مؤبدةً تصلّي لشعبك السكران،

لشيعةٍ وأكرادٍ تتناثر أجراسُهم في الفراغِ،

 

فيا اللهُ

نحن لم ننتظرْكَ عبثاً

كان عندنا الكثيرُ من العدم وأردنا استثماره

 

يا الله

يا من تقاسم اليتامى ثيابَه وخواتمَه

كم كنتُ أريد أن أكون طفلَك الذي يستأنسُ بخرائبك،

قنديلَك الذي من رآه لم ينمْ،

 

يا الله

يا من يقالُ على عَجَلٍ

أردتُك بيتاً تشمّسه العيونُ وترقرقه الكركراتُ

أردتُك إصبعاً تشير إليّ

إلى أن تطربني الأباطيلُ وأدفَنَ مع أسمائي

فلا يطّلعَ عليّ أحدٌ،

 

يا اللهُ

حتى متى _ أنا وإياك _ نجادلُ عن تأريخنا

في شقِّ جدار.


دمشق 1995