............................................................

 

الإسـم


  ما اسمُكَ ؟

أنينُ أبٍ تتعرقُ أصنامه تحتَ ابطيه، أم تحديقةُ صقرٍ يزيحُ عن العالمِ رغوةَ الظهيرةِ،

أمْ الأمهاتُ في صحنِ البيتِ يضمّدنَ جرحَ البيتِ ويسندنَ نخلةً تتهاوى، أمْ أنا، وأنا أصعدُ السلّمَ، أعمى تقتاده بسالته الى فخاخه الأربعة:

الألف

الحاء

الميم

الدال

على السطح كان الهواءُ يلعب بحبل الغسيل ورملِ البروج، كانت القمصانُ ترفرفُ يائسةً، واسمي الطفلُ خفيفاً يكاد يطير.

 

كان لي إسمٌ

وحدثَ اني نزلتُ السلّمَ مسرعاً وكلّي عيونٌ تبـكي، بعـد فوات الأوان، أباً يقاسـمني الفجرَ وهسهسةََ النارِ، وسمعتُ من يهمس ورائي:

 إنا أنزلناه لنريه الألمَ وصريرَ الأسنان،

إنا أنزلناه وسقيناه بالإسفنجة خلّاً،

إنا أنزلناه لنحرقَ أكليلَ الشوك على رأسه،

إنا أنزلناه ....

وكانت الهاءُ في (إنا أنزلناه) إشارةً الى هويةِ الغيب المطلق : (هو).

 

 (هو) الموؤدةُ ملامحه فيَّ،

القارعُ طبولَه الخفيةَ في أذن طفولتي العمياء.

أينه؟

 أين أسماؤه وصفاته تتحايل على أسمائي

وصفاتي لتستدرجني الى الصحراء؟

فيا هو، أيةُ متاهةٍ استدرجتْك وكم من المرايا ردّدتكَ حتى عدتَ اليَّ مثقلاً بالأنفاس، كأنما أنا ما يذكرني بكَ أيها النابضُ في ملابسات اليقين كالقلب، كأنما أنا ما يسترُ حنينَكَ اليَّ، أنا ما يضعُ بيني وبينكَ هذه الغلالةَ المزركشـةَ بنداءاتِ الإستغاثة:

ألف : نداءُ ملائكةٍ خرساءَ توقظُ الجهات

حاء : نداءُ وعلٍ جريحٍ على فم الينبوع

ميم : نداءُ قاربٍ يتشظى في قهقهة البحر

دال : نداءُ عقيقٍ مرفوعٍ ليُختَبرَ في عين الشمس.

 

إسمي ندائي على نفسي كأني أنادي على بائع الصحف الأصمِّ،

نداءٌ لا يصلُ إذ يصلُ إلا سدى

كنداء ميديا في مطارٍ ممطرٍ تدفع حقيبتها وتضحك،

كنداء كوثر في مقامِ التمكين تسـأل عن وحدة الوجود وانقطاع الكهرباء.

 

هذه النداءاتُ الخفيضةُ ذكرتني بأبي،

كان يقول :

 الإسـم بيتٌ لا يمكن الدخولُ اليه لا من أعلى ولا من أسـفل، لا من الأمـس ولا من اليوم، لكننا مع ذلك نتلاطمُ فـيه كما لو انه وكرُنا المكينُ، منبتـُنا الذي لفرط اندكاكنا فيه، ننسـاه، أو لعلّه الفجاءةُ التي قبل أن نفهرسـها تكون قد باشرتْ حفرها في هوائنا القريـب.

وتذكرتُ أيضاً:

كلُّ الأسـماءِ، ومثلها إسـمي، رسـائلُ أُحرقتْ قبل أن تُكتب.

كلُّ الأسـماء إشاراتٌ الى هويـّة الغيب المطلق: (هو).

هـــو: الرحمُ الباردُ الكاذبُ الســـامُّ الذي بانقباضه وانبسـاطه أكـون.

هـــو: جمهرةُ فراغٍ تسـدُّ عليَّ الطريق.

هـــو: قنطرةٌ مردومة بين الإنـسـان ونفسـه.

وأنا، كانَ لي إسـمٌ

وحدث في أخريات أيامي أني رأيتُ في المنام أني أذبح أبي، فاستفقتُ وفي يديْ مقبضُ سـيفٍ، وعلى رأسي طائرٌ بلا إسم يزعق:

يا هـو، يا هـو، كم من هواءٍ تكاثرتْ عليه الأجنحةُ ولا يطيـرُ إلا بكَ.

ومن يومها لم يعدْ لي إسـم.

 

ـ ما اسـمُكَ ؟

ـ نارٌ تريد أن تنطفئَ ولا تسـتطيع.