............................................................

 

 

الهواءُ الأخير 


الهواءَ الهواء.. 

هكذا صرخ المهرجُ الأعمى من باطن عزلته دافعاً بثقل الفراغ إلى مزارعَ هاربةٍ من يديه

إلى قرى ميتةٍ يوم السبت

بجوار السوق القديم

غير إن الهواءَ ليس هنا.

الهواءُ في المداخن العالية التي تتصاعد منها الأدعيةُ والأمهات ،

في دخانٍ خلّفه غريبٌ مطرودٌ من مكان مظلمٍ وعلى كتفه كنيستان تتقاتلان .

 

هكذا كنت اقول وأنا أتلمس طريقي بين حشود مريضة، حشود مقدسة

بينما تنحدر جوقةُ نساءٍ يتحدثن عن مساء قديم ،

عن قمرٍ بارد في الأسرّة

يدخلن بيوتهنّ

ثم ينتهينَ الى شحوبٍ او مطابخَ ..

 

وفجأةً

رائحةُ صبيٍّ يتماثلُ للشفاء ذكرتْني بحياتي:

 

عادةً كنت أتهيأ للصباحِ قبل بزوغِ الديكة،

ومرة اكتشفتُ نفسي أمام النافذة

معلقاً بخيطٍ من الضوء

مختنقاً وساطعاً

أنظر الى الجثث التي تمخرُ الضبابَ

الى الصبيّ المنهمر في المنعطف،

الى كلبٍ تيبّسَ تحت المطر،

وردةٌ طويلةٌ تسقطُ من الغمام

مكونةً نوافذَ وطواحين، أعياداً وغباراً ذهبياً حينها أرجئ النافذةَ لفراغٍ آخرَ،

حينها أرجئُ الوردةَ لهواءٍ آخرَ

هواء يأتي من المداخن العاليةِ

من ممرّ طويلٍ

من شجرة محترقة.

حينها أرجئ أيامي كلّها لصباحٍ آخرَ وأتهيأ للكلام،

 

 

غير أني نادراً ما أتكلّم

وان تكلمتُ فأنا لا افعلُ شيئا سوى أن أحركَ الهواءَ،

أعذّبَ الهواءَ،

ومرةً جربت أن أقولَ كلاماً عن المستقبل فتساقطتْ من شفتي المرايا،

ومن يومها اختلطتْ عني الأمورُ

فصرتُ حين أريدُ أن انطقَ بأسمي أعدّد أسماءَ أعدائي واحداً واحداً

وحين أردُّ التحيةَ يمتلأُ المكانُ بالاقفالِ

 

لهذا لم أكنْ قادراً بأيّ حالٍ من الاحوال على أن أغيّرَ مجرى حياتي

لم يكنْ بمقدوري التدافعُ إلى الأمام،

كان عليّ أن أخلي المكانَ لصغار المتكلمينَ،

 

صغارُ المتكلمين أجدى مني

في ألسنتهم خدمٌ يردّون التحيةَ

 

أمّا أنا

فكان عليّ أن أصرخ من باطن عزلتي

دافعاً بثقل الفراغ إلى صبيةٍ يتضاحكون أمام حدادٍ قتيل ،

الى طفلٍ تكهربَ بالطاقة القمريةِ في غرفة الدرس ،

الى اصبع قويّ يشير إلى المباني وهي تعلو ثم يتذكر ريفه فيشيخ.

 

لأن الهواءَ ليس هنا،

الهواءُ في النوافذ التي لا تطلّ ،

الهواءُ يتهشّم مثل لا أحد في طريق طويل.

 

 

 

أكتشفتُ خطأً وسميته (نحن)

هذه أوّلُ العتمة

هذا آخرُعهدي بالموسيقى

 

(آلافٌ من الأوراق الميتة تتساقطُ على الرجل المهرول

تاركاً أثراً من دخان

تاركاً أثراً من أنين

قرى تتطاحن)

هذا أوّلُ ما حدثتُ به نفسي وأنا أهيئُ الفراغَ لنوافذَ جديدة

أهيئ الهواء لمداخنَ عاليةٍ

لأرصفةٍ بلّورية

لساحات يتصاعد منها هديل الحمائم

لشراشفَ خضراء تخفق فوق حبال الغسيل

ولـ(أحلام) تجلس قرب المدفأة وتبكي أيامها الاخيرة ،

- يا أختُ

هذا قميصي مبلّلٌ

وهذا معطفي، معطفُ الشاعر في الخزانة يرتجفُ من البرد

وكمن ينظر الى قبره تنظرين اليّ، أنا تفاحتُك المظلمة ..

كمنْ ينظر الى سواد أيامه تنظرين اليَّ

ثم تدخلين في صباحك مخلفةً أثراً من دخان

مخلفةً أثراً من أنينٍ

قرى تتطاحن،

هذا آخرُ ما حدثتُ به نفسي وأنا أتصيّدُ الهواءَ في الغرف السريّةِ

ماسكاً بطرفِ ثوبك

كنت تزدادين طولاً

تنامين في الشتاءِ بينما قدماكِ تلامسانِ الربيعَ

كم كنتِ طويلةً

أتلمسُكِ كما يتلمّسُ الاعمى المقتولُ بياضَ دمهِ

كمْ كنتِ طويلةً ومجدبةً

وكم كنتِ بارعةً في البكاء حين ارتختْ أصابعُ الغريبِ تحت ثدييكِ

في ليلةِ عطاردَ، قربَ سور الأكاديميةِ

ارتختْ أصابعُ الغريبِ

وهبطَ بك الى بابهِ الحجريّ موقظاً بيديه المظلمتينِ حشداً

من الديكة تحت السرّة

فاتحاً في جسدكِ مطراً يبلّلُ الظلامَ

مطراً يشبه القهقهةَ ،

وهاهو ميراثكِ: هباءٌ يتنفّسُ

هاهي ودائعكِ: العصافيرُ الكبيرةُ تفتحُ الغرفَ السريّةَ

وتقرأُ غباراً يدلّ علينا،

سلالُ الفاكهةِ تخرجُ ممتلئةً إلى الطرقاتِ

لا مساءَ اشدّ مرحاً من هذا المساءِ

لا نواقيسّ أشدَّ بهاءً من قرعِ يديكِ على الفراغ ،

وهاهي هزيمتُك : بوقٌ وحيدٌ يتذكركِ فيصمتُ

 

هذه أوّلُ العتمةِ

هذا آخرُ الهواء .


بغداد 1985