............................................................

 


لا تتنبأ أيها الأعمى
عن أدونيس ونبوءاته العراقية 


1

في كلّ يوم له نبوءة. لا يتكلم الا حين ينفث وحيٌ على شفتيه بروقَ آياته، هذا هو اسمه: أدونيس !

 2

الشاعر النبيّ الناطق عن الغيب بلسان العارف، والمتكلم على الآتي تكلّمَ البشير النذير، شخصية نَمَتْ وترعرعتْ في أبهاء الحداثة الشعرية العربية منذ مجلة (شعر) على يد (أدونيس)، وأصبحت سائدة مهيمنة في ثقافتنا العربية التي لا يسود فيها مفهوم الا اذا كان نصيبه من الشعار كبيراً، ولا يهيمن فيها مثال الا حين يخالطه قدر وافر من الوهم، حيث الوهم سلطاننا الأعظم.

شعراؤنا أنبياء لا لشيء الا لأنهم القوا بأبصارهم صوب هذا المنفَتَح الشاسع ـ الأفق المترامي الذي لا يُحدّ، هذا الأقصى الذي لا يُبلَغ، لكنه ـ مع ذلك ـ يراد ويُبتَغَى.

الاندفاع الى الأمام، عدم الالتفات، التجاوز والتخطّي: تلك شعارات مرحلة شعرية عربية طال أمدها وكثرت رموزها الى حدّ بات أمر مراجعة ثوابتها فادحاً، والتشكيك بأهمية منجزها عسيراً، لأن هذا التشكيك وتلك المراجعة مؤذنان بأفول أصنام كبرى وتسريح جيش السدنة وطرد حشود المبخرين والمطيبين من حولها.

والنبيّ الشاعر ـ كمعظم نتاجنا الثقافي الحاضر ـ خلاصةُ تلفيقٍ تنامى باضطراد دون أن يصار الى مساءلته، تلفيق يجمع بين أصداء شعراء قدامى يجوسون خلال الأطلال منتظرين شيطان الشعر، وبين أطياف رسالة الرائي لرامبو وتهويماتها وتنويعات ما كتب فيها. خلاصةٌ لا شيء فيها مما هو معرفيّ أو باعث على استيلاد معرفة سوى هذه الدعوى المبهمة القائلة بصمدية ذات الشاعر، وامتلاكه للأزمنة كلها، الهيمنة على الماضي والحاضر، بدليل ان له القدرة على استشراف المستقبل.

هل قلتُ استشرافه؟

الأمر أبعد من الاستشراف في الحقيقة، اذ الاستشراف مهنة الباحث الاجتماعي أو المحلل السياسيّ أو المفكّر، أما الشاعر فان دعاواه عن المستقبل حقائق: لغة نافذة وقول صارم ووثوق أين منه كلام العقائد، انها النبوءة التي مذ حلّت في شعاب مكة على العرب حتى صار كل قولٍ ذي حمولة تخييلية ساعياً اليها ومتشبهاً بها.

لا يتكلم الشاعر عن حاضره ولا يعنيه، بل ان الرطانات التي كانت تتوالى مبهمة غامضة في نصوصه كانت تعضدها رطانة أشدّ ابهاماً مؤداها أن الشاعر يكتب لزمن قادم ستكون فيه هذه المدوّنات متداولَة ومقروءة بيسرٍ وتلقائية لم يتحققا الآن بسبب الطبيعة النبويّة التي تشتمل عليها هذه النصوص. كم مرة سمعنا من شاعر انه يكتب للقادم من العصور والقرّاء؟ وكم مرة قرأنا عن الفتوحات الشعرية التي لم يأذن الحاضر بجلائها فتقبلناها دون تدبّرٍ حين وضعناها في أفق الانتظار هذا، مشدودين الى (الغموض الجميل) غير الدالّ الذي سيتكفّل زمنٌ ليس زمننا بجعله ذا معنى (معرفي أو جماليّ)، وليكون هذا الغامض في قابل الأيام زاداً ثقافياً لأناسٍ ليسوا ـ بكل أسفٍ ـ نحن، أناس لم يولدوا بعد.

واذاً فالشاعر لم يكن يتكلم عن الحاضر، ولا يتوجّه الى حاضرين. مشدود هو بكليته الى المستقبل وأهله. كأنما الزمن الحاضر عارضٌ في عملية الخلق، انه كالشرط الظرفي في كتب التفسير (سبب النزول ومكانه وتاريخه)، يساوق الآية ويحفّ بها لكنه لا يستوعبها بالضرورة، ولا ينيرها بالكامل؛ اذ الآية متوجهة الى الأبديّ الذي لا يحدّه حاضر ولا يكتنفه آن.

وبالفعل فان اللحظة النبويّة ( لحظة الوحي الاسلامي) هيمنت على الأزمنة كلها: حاكمت الماضي، حكمتْ فعلياً في الحاضر وتحكمتْ في المستقبل. ولا عجب فان من يتكلم عن المستقبل لا بدّ أن يكون قارئاً للماضي، مهيمناً على الحاضر وله نحو استيلاء عليه، هكذا كان الاسلام. وهو عين ما تراه اليوم في حضارة الغرب من امتلاك للحظة الحاضرة وقدرة مدهشة على رود المستقبل.

ألهذا تجد ان المستقبل وآفاقه صار لدى الغرب اليوم مادة لعلم هو علم المستقبليات، يمكن رصده والكلام عنه بالأرقام، بينما ترى الى مفكري العرب ونخبهم الثقافية وقد اختلط لديهم التوق بالتوقع والاستشراف بالأماني، الأماني التي قالوا عنها قديماً انها بضاعة الحمقى.

ألهذا تنبأ مفكر عربي مرموق هو مطاع صفدي بأن الجيش العراقي سينتصر في أم الحواسم؟

ألهذا لا يتنبأ العربيّ اليوم الا بما يتمنى، لأنه لا يجد ما يتمنى حاضراً.

ألهذا تكثر في منابر العرب الاعلامية استفتاءات (انظر استفتاءات قناة الجزيرة مثلاً) هي في الحقيقة مواضع يسجّل فيها العربيّ أمانيه، لأنه لا يمتلك من عدّة الحاضر ما يمكّنه من رؤية القادم، فيعمد الى الاغتراف من ينبوع دواخله المترع بالرغبات والهوامات التي يظنها حتمية التحقّق.

وكم يُستقى منه ولا ينفد ... هذا الينبوع المسموم.

3

تكلم شعراء الحداثة العربية ( وما بعدها؟) طويلاً عن جدلية الأنا والآخر، وكيف ان تقبّل الاختلاف يكمن في صلب كل عمل ابداعيّ، وتفننوا في التشبيهات والاستعارات الدالة على أن الآخر مكوّن للذات على نحو ما ومساهم في صياغتها ( لكي أكون أنا لا بدّ أن أكون آخر). وبدا كما لو ان هذا الأفق الرحمانيّ المجترح في الثقافة العربية قادر على تعويض خسائرنا الجسيمة الفادحة التي ندفع ثمنها يومياً نتيجة استبعاد المختلف وتصفيته في الميادين الأخرى: سياسياً حيث الواحدية التي انتقلت من واحدية الحزب فالعشيرة فالعائلة التي تورث الحكم أبناءها ثم أخيراً فردانية الحاكم المطلق بأمره؛ ودينياً: على ما نرى من تجبّر طائفة ناجية على طوائف أقلّ نجاة.

غير ان الحقيقة لم تكن كذلك، كان هذا الفضاء الثقافي السمح مستعاراً من ثقافة ليست ثقافتنا، ومرحّلاَ منها الينا كشأن اغلب ما تلوكه ألسنة المطابع مما يظهر على الصفحات الثقافية في صحافتنا، كان اجتراراً حرفياً لمقولات تصل الينا غفلاً ونتداولها كأنها لقى ثمينة غنمناها.

والحال ان شيوع وتسيّد نموذج النبيّ ، في الثقافة عامة والشعر خاصة، دليل على ان هاته المقولات طارئة على المثقف العربيّ الذي يتصيدها ويوردها في غير موردها، ففي غمرة هذا المدّ النبوئي لم نشهد الانتصار للمتماثل واقصاء المختلف فحسب، بل رأينا الوصول بالتماثل الى التطابق التامّ، أي الوصول الى منتهى دائرة التماثل، لنجد أنفسنا أخيراً أمام الذات، ذات الشاعر ـ النبي الذي لا يجد حينها حرجاً في أن يصرخ ( أنا نرجس هذا الزمان).

نشر أدونيس بعد سقوط نظام صدام حسين مباشرة نصاً قال انه كتبه عام 1969 ، وفيه ـ ككل نصوص أدونيس ـ نبوءات بماحدث ويحدث للعراقيين الذين شاء قدرهم أن يكونوا في الآيات الأدونيسية الكريمة مجرد رقاب تتهيأ للسيف الذي رآه أدونيس النبيّ قبل أن يراه أحد سواه.

النبوءة ألقيت اليه في الماضي، قبل أكثر من ثلاثين عاماً لكنها تصف الحاضربدقة من رأى الحاضر وعرفه وخبره، انها، لو قرأناها دون ان يخبرنا الشاعر بتأريخ كتابتها لما شككنا في انها مكتوبة الان لتصف أحداثاً دامية كان الشاعر شاهداً عليها لا متنبئاً بها.

نشرُ النصّ مع تأكيد الشاعر على تأريخ كتابته كان كاشفاً عن مفارقة مدهشة:

لم يتكلم أدونيس عن حال العراق وجزاره والمذبحة الا مرة واحدة هي هذه المرة عام 1969 وفي هذا النص بالذات، أي قبل أن يصبح الجزار جزاراً، وقبل أن تملأ الأضاحي سهوب بلاد الرافدين. أما أثناء المذبحة ذاتها، أي في الفترة الممتدة من مغادرة طائرة أدونيس الأراضي

العراقية والى يوم 24 نيسان ـ ابريل من العام الماضي لم يتكلم أدونيس عن العراق وعن ديكتاتوره، وان تكلم فلم يكن بهذا القدر من الوضوح. المفارقة هنا ان الوقائع التي كانت تترى خلال هذه الفترة لم تكن سبباً كافياً لجعل الشاعر يتكلم عنها، ليس الحاضر بكل دمويته ـ التي وصفها في نبوءته ـ جديراً بأن يقال أو يشار اليه أو يسمى، مادام هذا الحاضر قد قيل سابقاً في الماضي، في نصّ لن ينشر الا حاضراً.

لا يجد الشاعر النبيّ للزمن سطوة عليه، ولا لوقائعه يدٌ في حثه على الكتابة عنها أو الاشارة اليها، فهو ليس (ابن الوقت) بحسب تعبير المتصوفة، بل هو أبو الأزمنة، اذ الحاضر الذي نعيشه نحن قتلاً وتشريداً كان مرصوداً لدى أدونيس قبل أن يحدث، والواقعة التي كنا شهودها وشهداءها خُطّتْ في لوح محفوظ من قبل أن تقع. ان الشاعر يقول لنا: فتشوا في ماضيي تجدوا حاضركم، ابحثوا في حاضري عن مستقبلكم. أوقاتنا نحن تُعرف بكرّ الساعات وتوالي الأيام، أما زمن الشاعر فهو المهيمن على ذلك كله فلا آن يحجبه عن آن، اذ كل يوم هو في شأن، فبأي آلاء ربكما تكذبان.

هذا شاعر كبير أضاع ثلاثين سنة (أقلّ بقليل من نصف عمره) دون أن يكتب وقائع دموية لم يكن يجهلها، لم يدن مرتكبها ولم ينتصر لضحاياها، لم يفعل ذلك،لا لشيء سوى انه تنبأ بها ذات يوم، كأنما نبوّته في الماضي أعفته من أن ينظر الى الحاضر، أو قلْ ان معرفته بالمستقبل زهّدته في أن يقول الواقعة حين حدثت، وباختصار فقد ألجمه وحيه عن أن يكون شاهداً.

هذا شاعر كبير تنبأ وترك مذبحتنا بلا شاهد.
وهؤلاء شعراء، كبار وصغار، وكثير منهم عراقيون، لم تنل الوقائع من بياض مدوناتهم للسبب ذاته، أي بسبب تلك الذات النبويّة العارفة، الذات المكتفية بمعرفتها، المعرفة اللدنية المتخطية لأقنعة الأزمنة، الأقنعة التي لا تنطلي على الشعراء ـ الأنبياء، الأنبياء المتجاوزون للحاضر ومخلوقاته ووقائعه، الغارقون في لحظتهم الشخصية الفريدة ، تلك اللحظة : لحظة النبوّة وزمن الوحي.

4

لنسأل...

أيّ شيء هذا من عمل المثقف؟

المثقف الذي قال عنه أدونيس نفسه في حوار مع منير العكش: انه الجالس على فوهة بركان الحاضر؟

أين هو هذا المثقف الذي حجبه النبيُّ فيه عن أن يكون حيث ينبغي له أن يكون: ( أي على فوهة الحاضر، لا في كهف الماضي)؟

أينه، ثلاثين عاماً يحتفظ بمدونته السريّة ـ نبوءته التي لن ترى النور الا يوم أن أصبح الديكتاتور ماضياً؟

 5

ويريد الشاعر النبيّ أن نصدّق أن ما حجزه عن الاشارة الى الواقعة الحاضرة ليس عماؤه ولا ظلام بصيرته، بل معرفته بما كان قبل أن يكون.

هل من أحد يصدق؟

أما أنا فلا

 6

 قبل أيام نشر أدونيس نصاً آخر في مجلة (معابر)، وموضوعه العراق أيضاً، لكن اللافت أن الشاعر هنا يستخدم لأول مرة عبارات من قبيل (طاغوت صدَّام حسين) (الطاغوت الصدَّامي).

المقال لاجديد فيه، محض انشاء عن ان صدام احتل الجغرافيا فقط، والمهم هو تحرير العقول من بقاياه، الى ما هنالك من كلام كُرر في الصحافة العراقية منذ الثمانينات على يد صحافيين من الدرجة الثالثة. بل الملاحظ انه أورد عبارات لم يعد أحد ممن يعمل في صحف المعارضة يستخدمها لرتابتها بعد أن صارت مزقاً من كثرة الاستعمال من قبيل:

(كانت السياسة العراقية، كما مارسها الطاغوت الصدَّامي، "فنًّا" هائلاً في تعطيل الحياة نفسها، وفي تعطيل الإنسان. أوَلم تدعم العولمةُ الأمريكية، في هذا كلِّه، هذا الطاغوت العراقي؟ ) 

يغدو الشاعر مفهوماً أكثر اذ يتكلم عن الماضي، لكنه، لسبب ما، يختار أسوأ أداء لأقواله، يصبح كلامه مساوقاً لكلام صغار الكتبة، ربما لأنه اذ لا يتنبأ يبطل سحره، ويغدو وجهاً لوجه أمام الواقعة التي قيل فيها الكثير حتى لم يعد مطرح لشاعر كبير لم يعتدْ التكلم عن الوقائع الا قبل حدوثها أو بعده بكثير!  

والمقال يتحدث عن ماضي وحاضر العراق، لا تقطعه بروقُ الوحي لحسن الحظ، الا ان الشاعر المأخوذ بالتنبؤ جعل لمقاله عنواناً فيه من النبوءة ما فيه : (لا تَعُدْ إلى الوراء، حتى مع الشمس).

فعل أمرٍ للعراقيّ بعدم العودة الى الوراء والمضيّ قدماً ( الى أين؟).

لا تعد الى الوراء؟ مع ان المقال كله يوصي بضرورة الالتفات الى التأريخ للتعرف على المستقبل:

(لا يفهم الإنسانُ نفسَه إلا إذا فهم تاريخَه. ينبغي على العراقيِّ، اليوم، أن ينظر إلى ماضيه، لا لكي يفهم التاريخ– الخارج، البعيد وحده، بل لكي يُحسِنَ كذلك فَهْمَ نفسِه، وفَهْمَ الداخل القريب)

والآن:

نلتفت أيها النبيّ أم لا نلتفت؟

نعود الى الوراء أم نمضي قُدماً؟

ترى، ما الذي يتوجب علينا ، نحن العراقيين، أن نفعل، بانتظار أن يهبط الوحيُ على شاعر عربيّ كبير آخر؟